حاورها: فايل المطاعني الحكواتي
مقدمة مجلس الحكواتي
هناك أقلامٌ لا تبحث عن التصفيق، بل تبحث عن أثرٍ يبقى في القلوب بعد أن تجفّ الأحبار. أقلامٌ تؤمن أن الكلمة ليست زينةً للسطور، وإنما مسؤوليةٌ ورسالةٌ وضمير.
ضيفتنا اليوم حملت قلمها منذ سنواتها الأولى، لا لتكتب الحكايات فحسب، بل لتفتش عن الإنسان في تفاصيل الحياة، ولتجعل من الرحمة وحسن الظن والأمل جسورًا تعبر بها إلى القارئ. فمن مجاعة الصومال التي أيقظت في طفلةٍ صغيرة أسئلةً أكبر من عمرها، إلى نصوصٍ تنبض بالتجربة والإيمان، وكتاب «هزيمة وعزيمة»، تتشكل أمامنا رحلة كاتبة ترى أن الحبر قد يغيّر إنسانًا، والإنسان قد يغيّر أمة.
في مجلس الحكواتي، نقترب من عالم الكاتبة ابتسام عشان، لنستمع إلى حكاية القلم حين يصبح رسالة، وإلى الرحمة حين تتحول إلى فلسفة حياة.
س1: متى أدركتِ أن الكتابة لم تعد هواية، بل رسالة تحملينها؟
ج1: من عمر 13 سنة عندما بدأت أبحث عن أسباب مجاعة الصومال وكيف تكون الحلول لكي لا تعود المجاعة. كنت أكتب كيف تعينه ليجني ثمره بدل أن تطعمه.
س2: الرحمة وحسن الظن ومسؤولية الكلمة تشكل المحور الأبرز في نصوصك، فهل هي فلسفة حياة أم ثمرة تجارب صنعت ابتسام عشان؟
ج2: بدأت نصوصي من واقع أعيشه؛ موقف، أو حدث، أو قصة. وما زلت أكتب عن ما تراه عيني وأعيشه على أرض الواقع، أو قصة حدثت مع الذين أعرفهم أو أتعايش معهم على أرض الواقع أو في الواقع الافتراضي. كما تعمقت في فلسفة الحياة، في نقد ما أراه متأرجحًا بين الحقيقة والتزييف.
س3: صدر لكِ كتاب «هزيمة وعزيمة»، فما الحكاية التي يقف عليها هذا العنوان؟
ج3: كتاب هزيمة وعزيمة كان من محض التجارب التي لي ولمن حولي. كنت أكتب على مدار سنتين من واقعي، وأي حدث أو رسالة تأتي بلا سبب وتقع في مخيلتي بأنها رسالة لتكتب، لا لكي تكون طي النسيان. أما العنوان فقد أخذت شهورًا في حيرة حتى تصل الفكرة بأن الإنسان لا يجب أن يضعف مهما كانت الظروف، وكان لله الفضل في اختيار العنوان، فقد رأيته مكتوبًا أمامي في حلم، فاعتمدته.
س4: في خاطرة «الأيدي الفارغة» جعلتِ الرحمة ميزانًا للإنسان، فكيف يمكن للكلمة أن تكون رحمة قبل أن تكون رأيًا؟
ج4: لا مكان للرأي في الرحمة. أولها: لأن الله جل في علاه كتب في كتابه قبل خلق السموات والأرض أن رحمته سبقت غضبه، وهو الرحمن الرحيم. ثانيها: أحاديث الرسول ﷺ كثيرة عن الرحمة، ومنها: «لن تؤمنوا حتى ترحموا». ثالثها: الرحمة سبب لدخول الجنة، أما الدنيا فهي قائمة بالرحمة، فلولا الرحمة لأصبح البشر وحوشًا. الرحمة هي ما نتعايش به وعليه، لأن الحياة بلا رحمة عوجاء.
س5: في نص «ببصيرتك احكم لا ببصرك» دعوتِ إلى محاكمة الظنون قبل محاكمة الناس، فما الذي دفعك إلى كتابة هذا النص؟
ج5: دفعني لذلك موقف حدث معي، إذ كان لي مطلب في إحدى الدوائر، وكنت أراجعهم يوميًا قرابة شهر، وكل مسؤول يحولني إلى آخر. وفي أحد الأيام خرجت يائسة، ثم وقفت ونظرت إلى السماء وقلت: إذا كان ملك الملوك ليس بيننا وبينه حاجز، فكيف بالمدير؟ توكلت على الله وذهبت إلى مكتب المدير العام، وما إن وصلت حتى قام من مكانه وقال: «تفضلي أختي، آمري». عرضت عليه الأمر، فحُلَّ في دقائق.
س6: في «ورد النوايا» دعوتِ إلى التمسك بالأمل والتسامح رغم الانكسارات، فمن أين تستمد ابتسام هذا التفاؤل؟
ج6: أستمده من الله سبحانه وتعالى، فهو القائل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وتعلمته منذ صغري من أمي رحمها الله، فقد عاشت يتيمة الأب والأم، وكانت كلما اشتدت عليها الحياة تقول: «الله كريم». وأنا على يقين بأن الله قد أكرمها.
س7: خاطبتِ قلمك في قصيدة «مسار قلم» وكأنه رفيق درب، فما الرسالة التي أردتِ إيصالها لكل كاتب؟
ج7: الله خلق لنا في الحياة متنفسًا لنعيش بسلام كلما أغلقت الأبواب علينا أو على غيرنا، فالكاتب قلمه رسالة، وربما كانت تلك الرسالة سببًا في تغيير فكر أو نهضة أمة.
س8: كيف ترين مسؤولية الكاتب في زمن أصبحت فيه الكلمة تصل إلى آلاف القراء في لحظات؟
ج8: مسؤولية كبيرة، سنحاسب على كل كلمة نكتبها وتصل إلى فرد، فكيف إذا وصلت إلى عامة الناس؟ لذلك يجب أن يخط الكاتب بقلمه ما يشهد له لا عليه.
س9: ما المشروع الأدبي الذي تحلمين بإنجازه في المستقبل؟
ج9: بل مشاريع عديدة، ومن بينها إنشاء مزرعة توفر جميع الخدمات العصرية، لينعم الكاتب بمكان ينطلق فيه بقلمه بحرية وإبداع.
س10: لو طلبنا من ابتسام عشان أن تختصر مشروعها الأدبي في ثلاث كلمات فقط، فماذا ستختار؟
ج10: كاتبة… يقيدني قلمي… ويحررني حبره.
س11: ما الكلمة التي تودين توجيهها إلى جيلك من الشباب والشابات؟
ج11: الرضا بما عندهم، ليرضيهم الله.
س12: ماذا تقولين للحكواتي فايل المطاعني، ولمجلس الحكواتي الذي استضافك في هذا اللقاء؟
ج12: لا الكلمات ولا الوقت يسعفني، ولا المساحة كذلك، لأرسم لوحة تليق بفن مجلسكم الذي سافر عبر المدن ومختلف الأجيال بحبر الأستاذ فايل المطاعني.
ولكن بكل ما تعنيه الكلمة… شكرًا لكم، لأنكم فتحتم لقلمي متنفسًا آخر.
خاتمة مجلس الحكواتي
وهكذا يطوي مجلس الحكواتي صفحةً أخرى من صفحات الكلمة الصادقة، بعد أن اصطحبنا الكاتبة ابتسام عشان في رحلةٍ بين التجربة والإيمان، وبين الرحمة ومسؤولية القلم. كان لقاءً أكد أن الكاتب الحقيقي لا يكتفي بصناعة النص، بل يسعى إلى صناعة الوعي، وأن الكلمة الصادقة قد تكون بابًا للأمل، وجسرًا يعبر بالإنسان نحو إنسانيةٍ أرحب.
شكرًا للكاتبة ابتسام عشان على هذا الحوار الثري، وللقراء الذين يواصلون رحلتهم معنا في مجلس الحكواتي، حيث لكل قلمٍ حكاية، ولكل حكايةٍ حكمة، ولكل حكمةٍ قلبٌ يصغي إليها.










2 Responses
يأتي هذا اللقاء الأدبي والثقافي ليعكس نبض الأدب الهادف الذي يربط بين الكلمة والوجدان، حيث نجح مقدم المجلس فايل المطاعني في الغوص بمهارة داخل التجربة الإبداعية والفكرية للكاتبة ابتسام عشان. وتميز الحوار بملامسته لجوهر الرسالة الأدبية، متجاوزًا حدود السرد التقليدي إلى بناء الوعي الإنساني.
أبرز ملامح وركائز اللقاء:
* الوعي المبكر والمسؤولية:
عكس إجابة الكاتبة عن بداياتها في سن الثالثة عشرة وتفكيرها في حلول “مجاعة الصومال” عمقًا مبكرًا ونضجًا فريدًا، مما يثبت أن الكتابة الحقيقية تولد من رحم الشعور بالآخرين والهمّ الإنساني.
* فلسفة الرحمة والواقعية:
شكلت “الرحمة” و”حسن الظن” المحور الأخلاقي والفكري لأدب ابتسام عشان. فاستبعادها للرأي في مواضع الرحمة، واستنادها إلى النصوص الشرعية، يضفي على نصوصها أبعادًا إنسانية עميقة تجعل الكلمة أداة إصلاح لا مجرد تزييف للسطور.
* الصدق الذاتي والتجربة الحيّة:
استمداد النصوص والعناوين (مثل كتاب هزيمة وعزيمة ومواقف الدوائر الحكومية) من الواقع المعيش والتجارب الحقيقية يمنح حروف الكاتبة مصداقية عالية وقدرة فريدة على مخاطبة قلوب القراء وعقولهم بلا تكلف.
* الرؤية المستقبلية الواعية:
أبدت الكاتبة إدراكًا عميقًا لخطورة الكلمة وسلطتها في عصر السرعة ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدة على المسؤولية الأخلاقية والرقابة الذاتية للكاتب، فضلاً عن طموحها المميز في خدمة الأدب عبر مشاريع نوعية مثل “مزرعة الكاتب”.
الخاتمة
يُعد هذا اللقاء نموذجًا ملهمًا للحوارات الثقافية التي تحتفي بالإنسان أولاً، وتبرز قيمة القلم حين يتحول إلى رسالة نبيلة. لقد نجح مجلس الحكواتي في تقديم وجبة فكرية وأدبية دسمة تجمع بين عمق التجربة وصدق البوح، مختتمًا بعبارات بليغة تؤكد أن الحبر الصادق قادر حقًا على تغيير الإنسان وصناعة الأمل.
أتقدم إليكم بجزيل الشكر والتقدير على هذه القراءة النقدية الراقية التي عكست فهماً عميقاً لمضامين اللقاء وأهدافه. لقد أسعدنا أن تجد هذه المساحة الثقافية صداها لدى نخبة من المتابعين القادرين على التقاط الرسائل الإنسانية والفكرية التي يحملها الأدب.
إن مثل هذه القراءات الموضوعية تمثل إضافة حقيقية للمشهد الثقافي، وتشجعنا على مواصلة تقديم محتوى إعلامي وثقافي يرتقي بالكلمة ويحتفي بالمبدعين ورسالتهم النبيلة.
كل الشكر والامتنان لكم، مع خالص التقدير والاحترام.
أخوكم
الأستاذ كمال فليج
المشرف العام للصحيفة