بين أول العنكبوت وآخرها… رحلة المؤمن من الابتلاء إلى الهداية

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي  
كاتب من سلطنة عُمان مسقط

هل تأملت يومًا كيف تبدأ سورة العنكبوت بسؤال يهز القلوب، وتختتم بوعد يبعث الطمأنينة في النفوس؟ وكيف يمكن لآيتين في أول السورة وآخرها أن تختصرا رحلة الإنسان في هذه الحياة، بما فيها من ابتلاءات وصراعات وانتصارات وانكسارات؟

يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع السورة:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].

ثم تأتي الآية الأخيرة من السورة لتفتح أمام المؤمن باب الرجاء والهداية:

﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

وبين هاتين الآيتين تتجلى رحلة الإيمان؛ ففي البداية امتحان، وفي النهاية وعد بالهداية لمن صدق في مجاهدته وأحسن عمله.

إن الإيمان ليس كلمة تُقال باللسان، ولا مظهرًا يتزين به الإنسان أمام الآخرين، وإنما حقيقة تظهر آثارها حين تضيق السبل، وتشتد المحن، وتتزاحم المغريات، ويقف المرء أمام خيارات تختبر صدق إيمانه وثبات مبادئه.

وليس الابتلاء دائمًا مرضًا يصيب الجسد، أو فقرًا يطرق الأبواب، أو مصيبة تُحزن القلوب؛ فقد يكون الابتلاء مالًا وفيرًا، أو منصبًا رفيعًا، أو صحةً وعافية، أو شهرةً يتسابق الناس إليها. فكما يُمتحن الفقير في صبره، يُمتحن الغني في شكره، وكما يُختبر الضعيف في احتماله، يُختبر القوي في عدله ورحمته.

وهنا يحضرنا قول رسول الله ﷺ:

«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ»، ثم بيّن أن المؤمن إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر. رواه مسلم.

ولكن أين يظهر الامتحان الحقيقي للإيمان؟

قد يظهر حين يغضب الزوج من زوجته، فيملك القدرة على جرحها بكلمة، لكنه يختار الحلم والرفق. وقد يظهر حين يمتلك المدير سلطة يستطيع بها ظلم موظف أو حرمانه من حقه، فيختار العدل على المحاباة. وقد يظهر حين تتاح للتاجر فرصة الربح بالغش والخداع، فيرفض أن يبيع ضميره بثمن زائل.

وقد يظهر في موقف صغير لا يلتفت إليه أحد؛ حين يمتنع الإنسان عن الغيبة رغم قدرته على الكلام، أو يعفو عمن أساء إليه، أو يعترف بخطئه بدلًا من أن يختبئ خلف كبريائه.

تلك هي الامتحانات التي لا تُكتب على أوراق، ولا تُعلن نتائجها أمام الناس، لكنها تكشف حقيقة ما استقر في القلوب.

وما أكثر الأيادي التي تشد الإنسان إلى الخلف كلما حاول التقدم نحو الخير! يد تدعوه إلى الشهوة، وأخرى إلى الكبر، وثالثة إلى الحسد، ورابعة إلى المال الحرام، وخامسة إلى الرياء وحب الظهور. وربما كانت أشد تلك الأيادي خطرًا هي النفس حين تستسلم لهواها، فتزين لصاحبها الخطأ، وتؤجل توبته، وتقنعه بأن أمامه متسعًا من العمر.

غير أن المؤمن لا يُطالب بأن يعيش بعيدًا عن الدنيا، وإنما بأن يعيش فيها دون أن تستعبده مغرياتها. فالمال قد يكون بابًا للصدقة، والمنصب وسيلة لإقامة العدل، والعلم طريقًا لنفع الناس، والأسرة ميدانًا للمودة والرحمة.

إن المشكلة ليست في امتلاك الدنيا، بل في أن تمتلك الدنيا قلب الإنسان.

وهنا تبدأ المجاهدة الحقيقية؛ أن ينتصر الإنسان على غضبه حين يستطيع الانتقام، وعلى شهوته حين تتاح له المعصية، وعلى غروره حين يمدحه الناس، وعلى أنانيته حين يحتاج الآخرون إلى مساعدته.

وقد قال رسول الله ﷺ:

«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ». متفق عليه.

فليست القوة دائمًا في غلبة الآخرين، وإنما قد تكون أعظم صورها أن يغلب الإنسان نفسه، وأن يقول للباطل لا، ولو كان الطريق إليه مفروشًا بالمكاسب والمغريات.

والمجاهدة لا تعني أن الإنسان لن يخطئ، أو أنه لن يتعثر في مسيرته؛ فنحن بشر نضعف وننسى ونزل، ولكن الفارق بين من يستسلم ومن يجاهد أن الأول يجعل من سقوطه نهاية الطريق، بينما يجعل الثاني منه بداية للتوبة والتصحيح.

ولهذا جاء التوجيه النبوي العظيم:

«احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ». رواه مسلم.

فالمؤمن لا ينتظر الهداية وهو مقيم على أسباب الغفلة، بل يسعى إليها بالصلاة، والعلم، والعمل الصالح، والصحبة الطيبة، ومحاسبة النفس، والرجوع إلى الله كلما ابتعد عن الطريق.

ولعل أجمل ما في هذا المعنى أن أثر المجاهدة لا يتوقف عند الفرد، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله.

فتخيل مجتمعًا يجاهد فيه المسؤول نفسه على العدل، والتاجر نفسه على الأمانة، والزوجان نفسيهما على الرحمة وحسن العشرة، والأبناء أنفسهم على البر والاحترام، والناس ألسنتهم عن الغيبة والتشهير وإيذاء الآخرين.

كم من خصومة ستنتهي؟ وكم من مظلمة ستُرفع؟ وكم من أسرة ستستعيد دفئها؟ وكم من قلب منكسر سيجد من يجبر خاطره؟

إن إصلاح المجتمع لا يبدأ دائمًا بالقرارات الكبرى والخطب الرنانة، بل يبدأ أحيانًا من إنسان قرر أن يكون أكثر صدقًا، وأكثر عدلًا، وأكثر رحمة، وأن يجعل إيمانه سلوكًا يراه الناس، لا شعارًا يسمعونه.

وهكذا نعود إلى سورة العنكبوت، فنجد في مطلعها تنبيهًا إلى حتمية الابتلاء، وفي خاتمتها وعدًا إلهيًا بالهداية للمجاهدين في سبيل الله.

وكأن المعنى الذي نتدبره بين الآيتين يقول لنا: إن الطريق إلى الله ليس خاليًا من العثرات، ولكنه ليس طريقًا بلا عون أو هداية.

فلا تجعل الابتلاء سببًا ليأسك، ولا تجعل الذنب بابًا لقنوطك، ولا تسمح لمغريات الحياة أن تنسيك الغاية التي خُلقت من أجلها.

وإذا اشتدت عليك الفتن، وتزاحمت أمامك الطرق، وتعلقت بك أيادي الدنيا من كل جانب، فتذكر أن الله الذي أخبرك في أول السورة أنك ستُبتلى، هو سبحانه الذي وعدك في آخرها بالهداية إن جاهدت في سبيله.

فبين أول العنكبوت وآخرها رسالة لكل مؤمن: ستُبتلى، فلا تيأس؛ وستجاهد، فلا تستسلم؛ واستعن بالله، وأحسن عملك، وامضِ في طريقك، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24