الوعي سلاح الأوطان.. والشائعة معول لهدم الثقة

بقلم: بسيوني أبوزيد
لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده، ولم يعد إسقاط الدول يتطلب دائمًا جيوشًا تعبر الحدود؛ فهناك حروب أخرى تستهدف العقول والوعي، وتسعى إلى زعزعة الثقة، وبث الفرقة، وتشويه الحقائق، وإضعاف علاقة المواطن بوطنه ومؤسساته.
إن الوعي الوطني ليس مجرد شعارات تُرفع، ولا كلمات تُردد في المناسبات، بل هو قدرة المواطن على فهم ما يدور حوله، والتمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد المسؤول والتضليل المتعمد، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات بث الكراهية والانقسام.
وتكمن الخطورة في الوعي المغلوط الذي يجعل الإنسان يتبنى معلومات غير صحيحة، أو يصدق رواية واحدة دون التحقق منها، أو يتحول إلى أداة لنشر الشائعات دون أن يدرك أنه قد يساهم في إضعاف مجتمعه وإثارة الفتن بين أبنائه.
وتزداد هذه الخطورة عندما تستغل بعض الجماعات ذات التوجهات الدينية السياسية الخطاب الديني للتأثير في مشاعر المواطنين، وتوظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية أو تنظيمية، أو التشكيك المستمر في مؤسسات الدولة، أو تصوير كل مشكلة باعتبارها دليلًا على انهيار الوطن، دون تقديم حقائق كاملة أو حلول واقعية.
فالدين ليس وسيلة لتضليل الناس، والوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات، والمواطن الواعي لا يسمح لأحد أن يستغل إيمانه أو غضبه أو معاناته لتوجيهه نحو الكراهية أو الفوضى.
لكن الوعي الحقيقي لا يعني تبرير كل شيء، ولا رفض كل انتقاد، ولا اعتبار كل معارض عدوًا للوطن. فالدولة القوية هي التي تستمع إلى مواطنيها، وتعالج أخطاءها، وتحارب الفساد، وتطبق القانون على الجميع، وتمنح المواطن حقه في السؤال والنقد والتعبير المسؤول.
إن الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعدل والشفافية واحترام القانون وتحسين حياة الناس. كما أن الحفاظ على الوطن لا يكون بالصمت عن المشكلات، وإنما بالمشاركة في حلها، ومواجهة الشائعات بالحقائق، والتصدي للتضليل بالحجة والمعرفة.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية في بناء جيل يمتلك عقلًا ناقدًا، وضميرًا وطنيًا، وقدرة على التحقق من المعلومات قبل تصديقها أو نشرها. فالشباب الذين يعرفون تاريخ وطنهم، ويفهمون تحدياته، ويدركون حقوقهم وواجباتهم، هم الأكثر قدرة على مواجهة حملات التضليل وحماية مستقبل بلادهم.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا ليس اختلاف أبنائه، بل أن يفقدوا القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، وأن تتحول خلافاتهم إلى كراهية، وأن تصبح الشائعة أقوى من الحقيقة.
فلنحمِ عقولنا من التضليل، ولنحافظ على وحدتنا الوطنية، ولنجعل الحوار والمعرفة والقانون أساسًا لعلاقتنا ببعضنا البعض وبمؤسسات دولتنا.
فالأوطان لا يحميها الوعي الزائف، ولا الشعارات وحدها، وإنما يحميها شعب يعرف الحقيقة، ويصون كرامته، ويتمسك بحقوقه وواجباته، ويؤمن بأن قوة الدولة من قوة مواطنيها، وأن قوة المواطنين تزداد بالعدل والوعي والانتماء.
حفظ الله مصر وشعبها، وأدام عليها الأمن والاستقرار، ووفق أبناءها لما فيه خير الوطن ومستقبله.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24