الوطنية ليست مقعدًا في العربة الأولى

بقلم: د. رياض عبد الستار الدليمي

في أوقات الأزمات، تكثر الكلمات الكبيرة: الوطن، الوطنية، الوحدة، التضحية، والوفاء. وكلها قيم نبيلة لا يختلف عليها عراقيان. لكن قيمة هذه الكلمات لا تظهر في ترديدها، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا عندما نختلف.

فالوطنية الحقيقية لا ينبغي أن تكون وسيلة لتقسيم الناس إلى وطنيين وغير وطنيين، ولا بطاقةً تمنح لمن يوافقنا وتحجب عمن يختلف معنا. الوطن أوسع من ذلك، والوطنية أعمق من أن تختزل في موقف سياسي واحد أو في شخص أو جماعة أو اتجاه.

وحين نتحدث عن الوحدة الوطنية، من حقنا أن نتساءل بهدوء: هل نقصد وحدة العراقيين حول وطنهم، أم نريد وحدة الجميع حول شخص أو رؤية أو جماعة بعينها؟

ما قيمة الدعوة إلى التضامن إذا كان المختلف في الرأي يُنظر إليه وكأنه أقل وطنية؟ وما معنى أن نطلب من الجميع أن يتحدوا، إذا كان المطلوب في نهاية الأمر أن يتخلوا عن قناعاتهم ويلتحقوا بصف واحد، أو خلف شخص واحد؟

العراق لا يحتاج إلى نسخة واحدة من الوطنيين. يحتاج إلى وطنيين مختلفين في آرائهم، متفقين على أن العراق أولًا، وأن كرامة المواطن وسيادة الدولة ووحدة المجتمع فوق الخلافات السياسية والشخصية.

والقطار يصل إلى محطته سواء جلس بعض ركابه في العربة الأولى، أو اختار آخرون العربة الأخيرة. المهم أن يكون القطار متجهًا إلى المحطة الصحيحة، وأن يكون الطريق آمنًا، وأن يدرك الجميع أن الرحلة ملكٌ لكل الركاب، وليست ملكًا لمن جلس في المقدمة.

ولهذا، فإن السؤال الوطني الحقيقي ليس: لماذا لم تكن معي؟
بل: ماذا تستطيع أن تقدم للعراق؟

وليس من الوطنية أن يعتقد أحد أنه يمتلك وحده تعريفها، أو أن موقعه في مقدمة المشهد يجعله أكثر وطنية من الآخرين. فالوطنية لا تُقاس بمقدار قرب الإنسان من المقدمة، ولا بعدد الذين يسيرون خلفه، وإنما بما يقدمه لوطنه، وبقدرته على احترام المختلف، والتعاون معه عندما تكون المصلحة الوطنية هي الغاية.

إن العراق، بما مرّ به وما يواجهه، يحتاج إلى توسيع دائرة العمل الوطني لا إلى تضييقها؛ وإلى جمع الطاقات لا إلى تقسيمها؛ وإلى الاعتراف بأن الاختلاف السياسي ليس خيانة، وأن تعدد الرؤى لا يعني تعدد الأوطان.

ومن يريد مواجهة الفساد، أو الدفاع عن سيادة العراق، أو بناء دولة القانون والمؤسسات، أو التصدي لأي نفوذ أو تدخل خارجي، لن يستطيع تحقيق ذلك إذا بدأ أولًا بتقسيم العراقيين إلى: من معي فهو وطني، ومن اختلف معي فهو خارج دائرة الوطنية.

الوطن أكبر من الأشخاص، وأكبر من التنظيمات، وأكبر من مواقع الصدارة.

وليس في العراق عربة أولى مخصصة لأكثر الناس وطنية، ولا مقعد محجوز لمن يرى نفسه أحق بقيادة الآخرين.

العراق يحتاج إلى من يقول: أنا واحد منكم، فلنعمل معًا من أجل وطننا.

فالوطنية الحقيقية لا تقول: اتبعوني.
بل تقول: تعالوا نمضي معًا.

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24