النقد… بوصلةُ الجابري لفهم العقل العربي[تبسيط الأفكار لتكون في مستوى الثانوي على الأقل )

بقلم: بلحمدي رابح – البليدة، الجزائر

 ملاحظة للقارئ: هذا النص محاولة لتبسيط أفكار محمد عابد الجابري، وليس تبنيًا كاملًا لمواقفه. الهدف هو فتح باب التفكير والنقاش، لا فرض رأيٍ أو موقف. فكما يقول الجابري نفسه: (النقد هو السبيل الوحيد للتفكير الحر.)
#تمهيد: لماذا نتحدث عن (العقل) وليس عن (الأفكار)؟
تخيّل أنك تدخل غرفةً مظلمة. تبحث عن مفتاح الكهرباء بيديك، تتحسس الجدران. تجد أشياء كثيرة: كتبًا، أثاثًا، صورًا قديمة. لكنك لا ترى شيئًا بوضوح. السؤال: هل المشكلة في الأشياء الموجودة في الغرفة، أم في الضوء الذي ينبغي أن يضيئها؟
هذا هو السؤال الذي شغل المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010). لم يكن همه أن يدرس (الأفكار) التي أنتجها العرب والمسلمون عبر التاريخ فحسب، بل أراد أن يفهم الآلة التي تنتج هذه الأفكار. أراد أن يضيء الغرفة لا أن يكتفي بتحسس محتوياتها. هذا هو مشروعه الضخم: (نقد العقل العربي).
في هذا النص، سنرافق الجابري في رحلته، ونحاول أن نفهم مشروعه بلغةٍ بسيطة، مع نماذج وأمثلة تقرّب الصورة.
#أولًا: ما هو (العقل العربي) عند الجابري؟
العقل ليس (الدماغ)… بل (الآلة)
عندما نقول (العقل العربي)، قد يتبادر إلى الذهن أننا نتحدث عن العرب كأفراد، أو عن قدراتهم الذهنية. لكن الجابري كان يقصد شيئًا مختلفًا تمامًا. كان يقصد (اللاشعور المعرفي)، أي تلك البنية الخفية التي تتحكم في طريقة تفكيرنا دون أن ندرك ذلك.
#نموذج توضيحي: النظارة التي لا نراها
تخيّل أنك وُلدت وأنت ترتدي نظارة. لا تتذكر لحظة وضعتها. لكن كل ما تراه يمرّ عبرها. إذا كانت النظارة زرقاء، فسيبدو لك العالم أزرق. لن تدرك أن اللون الأزرق ليس في العالم، بل في النظارة.
العقل العربي، عند الجابري، هو تلك النظارة. هو مجموعة القواعد والمفاهيم والتصورات التي ورثناها وتشكّل بها وعينا، والتي تحدد مسبقًا كيف نرى العالم، وكيف نقرأ النصوص، وكيف نفكر في السياسة والأخلاق.
#المقصد الأساسي: لماذا نقد العقل؟
الجابري لم يكن يريد فقط أن (يفهم)العقل العربي، بل أراد أن يُصلحه. كان يرى أن العرب والمسلمين يعيشون أزمة نهضوية حقيقية. لماذا لم تنجح النهضة العربية؟ لماذا لم نلحق بركب الحداثة؟
جواب الجابري: المشكلة ليست في (الأفكار) التي ننتجها، بل في (الآلة)التي تنتجها. لا يمكنك أن تصلح منتجًا فاسدًا دون أن تصلح الآلة التي أنتجته. لذلك، كان نقد العقل مطلبًا أوليًا لتأسيس قواعد منهجية وفكرية جديدة، ولإعادة بناء الذات العربية.
يقول الجابري:(الحاجة تدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى تدشين عصر تدوين جديد، تكون نقطة البداية فيه، نقد السلاح، نقد العقل العربي).[1]
ويؤكد أن:
(نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة).[2]
لكنه يوضح أن النقد ليس غاية في ذاته:
(النقد ليس من أجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي).[3]
#ثانيًا: الأنظمة المعرفية الثلاثة… أدوات العقل العربي
الفكرة الأساسية
يرى الجابري أن الثقافة العربية الإسلامية تأسست على أساس ثلاثة أنظمة معرفية، وهي في (صراع دائم من أجل الهيمنة). هذه الأنظمة هي:
#النظام الأول: البيان (اللغة)
هذا هو النظام المهيمن في الثقافة العربية الإسلامية. أداته اللغة، ومجاله الفقه والتفسير والكلام. رموزه: الجاحظ، الشافعي. منطقه: القياس النحوي، أي أن تقيس الجديد على القديم، والفرع على الأصل.
#نموذج توضيحي: تخيّل أنك تريد الوصول إلى مدينةٍ ما.
طريق البيان يعني أن تسير وفق خريطة قديمة، وتعتمد على آثار من سبقوك. تقول: (هكذا سار آباؤنا، فهكذا نسير). هذه هي طريقة الفقهاء والمفسرين: يعتمدون على النص والقياس على ما ورد.
يقول الجابري:
(فالبيان كفعل معرفي هو الظهور وإظهار الفهم والإفهام، وكحقل معرفي هو عالم المعرفة الذي تبنيه علوم اللغة وعلوم الدين).[4]
#النظام الثاني: العرفان (الكشف)
هذا هو النظام الثاني. أداته الكشف والحدس، ومجاله التصوف والفلسفة الإشراقية. رموزه: ابن عربي، الغزالي. منطقه: الذوق والتجربة الروحية، لا البرهان العقلي.
نموذج توضيحي: طريق العرفان يعني أن تغمض عينيك وتنتظر حدسًا أو إلهامًا. تقول: (سأجد الطريق بنورٍ داخلي). هذه هي طريقة الصوفية: يعتمدون على الكشف والمجاهدة الروحية.
يقول الجابري:
العرفان (كفعل معرفي هو الكشف أو العيان).[5]
#النظام الثالث: البرهان (المنطق)
هذا هو النظام الثالث والأضعف في الثقافة العربية. أداته المنطق والاستدلال العقلي، ومجاله الفلسفة والعلوم الطبيعية. رموزه: الكندي، الفارابي، ابن رشد. منطقه: الاستنتاج العقلي، لا النقل ولا الكشف.
نموذج توضيحي: طريق البرهان يعني أن تستخدم بوصلة وخريطة رياضية. تقول: (سأحسب المسافة والاتجاه). هذه هي طريقة الفلاسفة والعلماء: يعتمدون على المنطق والاستدلال العقلي.
يقول الجابري:
(البرهان كفعل معرفي هو استدلال استنتاجي… المعرفة الفلسفية العلمية).[6]
المشكلة
يرى الجابري أن البيان سيطر على العقل العربي، والبرهان ظلّ ضعيفًا ومهمشًا. لهذا لم تتطور العلوم الطبيعية والعقلانية في العالم العربي بالشكل الذي تطورت به في الغرب. ويقول:
(اللغة والشريعة والعقيدة والسياسة في الماضي والحاضر… إنه لا سبيل إلى تجديد العقل العربي إلا بالتحرر منها).[7]
#خلاصة الأنظمة الثلاثة
النظام الأداة المجال الرموز
البيان اللغة والقياس النحوي الفقه، التفسير، الكلام الجاحظ، الشافعي
العرفان الكشف والحدس التصوف، الفلسفة الإشراقية ابن عربي، الغزالي
البرهان المنطق والاستدلال العقلي الفلسفة، العلوم الطبيعية الكندي، الفارابي، ابن رشد…
#ثالثًا: مفهوم (العقل المستقيل)… المرض الخطير
ما هو العقل المستقيل؟
(العقل المستقيل)هو مصطلح نحته الجابري للدلالة على:
التراجع المعرفي وبالتالي ضحالة الناتج الحضاري للإنسان العربي الذي سيكون في نهاية الأمر مفعولا به محدود الأفق، سلبيا في مقابل الآخر الغربي المنتصر حضاريا.[8]
#نموذج توضيحي: السيارة والفرامل
تخيّل أن العقل العربي سيارة تسير على طريق النهضة. فجأة، يضغط السائق على الفرامل. السيارة تتوقف. من الذي ضغط على الفرامل؟ الجابري يقول: العقل المستقيل. هو ذلك العقل الذي رفض أن يتحمل مسؤولية التفكير، واختار الانسحاب إلى( الماضي الآمن)بدل مواجهة أسئلة الحاضر.
من هو العقل المستقيل؟
يوضح الجابري أن العقل المستقيل هو ذلك العقل الذي أعلن عجز العقل البشري عن تحصيل المعرفة، واختار الانسحاب بدل المواجهة. ويقول:
إن العقل المستقيل عند الجابري هو ذلك العقل الفلسفي القديم الذي مثلته الهرمسية والمانوية وغيرها والتي أعلنت عجز العقل البشري عن تحصيل أية معرفة عن الله من خلال تدبر الكون.[9]
ويضيف:
إن الملاعقول العقلي ليس هو إلا الملاعقول البياني. كما يُعطينا تعريفاً لللامعقول وهو عجز العقل البشري، ثم يسميه العقل المستقيل.[10]
#رابعًا: مفهوم (القطيعة الإبستمولوجية)
المشرط الجراحي
ما هي القطيعة الإبستمولوجية؟
استعار الجابري مفهوم (القطيعة الإبستمولوجية) من الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، وهو:
المفهوم الذي يعبر عن فترات الانتقال الكيفي والفترات التي تجعل العلم ينتقل من بنية إلى أخرى.[11]
تعريف الجابري للقطيعة
القطيعة الإبستمولوجية لا تعني ظهور مفاهيم ونظريات وإشكاليات جديدة وحسب، بل أنها تعني أكثر من ذلك، أنه لا يمكن أن نجد أي ترابط أو اتصال بين القديم والجديد.[12]
#نموذج توضيحي: الطبيب والمريض
تخيّل أنك طبيب. مريضك هو التراث. لو كنت ابنًا له، فلن تستطيع أن تراه بوضوح. العاطفة تحجب الرؤية. لكن إذا كنت طبيبًا، فستنظر إليه بعين موضوعية. ستشخّص مرضه دون خوف. هذا ما يعنيه الجابري بـ (فصل الذات عن الموضوع).
ماذا تعني القطيعة مع التراث؟
الجابري يؤكد أن القطيعة ليست رفضًا للتراث، بل هي:
أن نفصل عنا هذا التراث ونضعه في مكانه التاريخي ونتقده ونرتبه في نظام الحياة التي عاشها، لكن أيضاً نعيده كشيء لنا”.[13]
ويقول أيضًا:
لا بد من سلاح النقد، ولكن لا بد، في نفس الوقت، من نقد السلاح. سلاح النقد تمدنا به الفلسفة، أما نقد السلاح فيمدنا به التاريخ.[14]
#خامسًا: مقولات إضافية أساسية
عن الذات العربية
المهمة الأولى والأساسية المطروحة على الساحة العربية الراهنة هي تحقيق الاستقلال التاريخي التام للذات العربية.[15]
تغيير بنية العقل وتأسيس أخرى لا يتم إلا بالممارسة، ممارسة العقلانية في شؤون الفكر والحياة، وفي مقدمة ذلك كله ممارسة العقلانية النقدية على التراث.[16]
عن الحضارة الإسلامية
إذا جاز لنا أن نسمي الحضارة الإسلامية بإحدى منتجاتها، فإنه سيكون علينا أن نقول عنها أنها (حضارة فقه)، وذلك بنفس المعنى الذي ينطبق على الحضارة اليونانية حينما نقول عنها أنها حضارة فلسفة.[17]
عن العقل العربي
والعقل العربي، عند الجابري، عقل يتعامل مع الألفاظ أكثر مما يتعامل مع المفاهيم، ولا يفكر إلا انطلاقاً من أصل.[18]
عن النهضة
إذا لابد من تحديث فكرنا وأدواته وتجديدها مع معطيات عصرنا لتحقيق نهضتنا، وهذا التجديد يكون بالحفر داخل ثقافة هذه الأمة بالتعامل العقلاني النقدي مع ماضيها وحاضرها.[19]
#سادسًا: نموذج نهائي… خريطة الطريق
لنلخص مشروع الجابري في خريطة بسيطة:
مشروع محمد عابد الجابري
|
┌─────────────────────┼─────────────────────┐
| | |
الأنظمة المعرفية المفاهيم النقدية النتيجة
| | |
┌────┴────┐ ┌─────┴─────┐ ┌───┴───┐
│البيان │ │العقل │ │عقل │
│(اللغة) │ │المستقيل │ │عربي │
├────────┤ ├──────────┤ │جديد │
│العرفان │ │القطيعة │ │منفتح │
│(الكشف) │ │الإبستمولوجية│ │ومتجدد │
├────────┤ ├──────────┤ └───────┘
│البرهان │ │نقد السلاح│
│(المنطق)│ │قبل النقد │
└────────┘ └──────────┘
قراءة المخطط
· الأنظمة المعرفية هي خريطة العقل العربي. البيان سيطر، والعرفان تأرجح، والبرهان ضاع.
· المفاهيم النقدية هي عدة الطبيب. العقل المستقيل هو التشخيص، والقطيعة هي المشرط، ونقد السلاح هو التعقيم.
· النتيجة هي الأفق المنشود. العقل الجديد، المنفتح، المتجدد.
خاتمة: رحلة لا تنتهي
محمد عابد الجابري لم يقدّم لنا “الحلول الجاهزة”. قدّم لنا خريطة، وبوصلة، وأدوات. الباقي علينا: نحن من يجب أن يكمل الرحلة.
العقل العربي ليس قدرًا لا يُغيّر. هو نظارة يمكننا أن نخلعها، ونفحصها، ونصلحها. ومن يخاف من فحص نظارته، سيبقى يرى العالم بلونٍ واحدٍ إلى الأبد.
وكما قال الجابري نفسه:
وبعد فلم يكن في نيتنا الذهاب بهذا العمل إلى أكثر من بدء النظر في كيان العقل العربي وألياته، وقد قمنا في هذا المجال بما استطعنا القيام به، رائدنا هو فتح ما يمكن من النوافذ وإتاحة أكثر ما يمكن من موضوعات للبحث والمناقشة.[20]
******
الهوامش
[1] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي: نقد العقل العربي، الجزء الأول، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص. 13.
[2] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: نقد العقل العربي، الجزء الثاني، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1986، ص. 537.
[3] محمد عابد الجابري، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1980، ص. 22.
[4] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مرجع سابق، ص. 25.
[5] المرجع نفسه، ص. 26.
[6] المرجع نفسه، ص. 27.
[7] محمد عابد الجابري، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1991، ص. 40.
[8] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مرجع سابق، ص. 47.
[9] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مرجع سابق، ص. 391.
[10] المرجع نفسه، ص. 392.
[11] غاستون باشلار، تكوين العقل العلمي، ترجمة خليل أحمد خليل، بيروت، دار الأندلس، 1982، ص. 15.
[12] محمد عابد الجابري، الفكر العربي المعاصر: دراسة نقدية تحليلية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988، ص. 105.
[13] محمد عابد الجابري، نحن والتراث، مرجع سابق، ص. 44.
[14] محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مرجع سابق، ص. 33.
[15] محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر: العقلانية والحرية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص. 18.
[16] محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مرجع سابق، ص. 42.
[17] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مرجع سابق، ص. 57.
[18] المرجع نفسه، ص. 58.
[19] محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مرجع سابق، ص. 45.
[20] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مرجع سابق، ص. 553.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24