بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
كان الإنسان فيما مضى يسأل نفسه قبل أن يشتري:
هل أحتاج هذا؟ وهل أستطيع ثمنه؟
أما اليوم، فقد تسلل إلى حياة بعضنا سؤال ثالث، ربما أصبح أشد تأثيرًا من السؤالين السابقين:
ماذا سيقول الناس عني؟
ومن هنا تبدأ الحكاية.
بيتٌ أكبر مما نحتاج.
سيارةٌ أغلى مما نستطيع.
عرسٌ يتجاوز قدرة أصحابه.
سفرٌ لم يكن في الخطة.
هاتفٌ جديد لأن هاتف الصديق أحدث.
ثوبٌ لمناسبة واحدة.
ومائدةٌ يزيد نصفها عن حاجة الضيوف، لأننا نخشى أن يقول أحدهم: «فلان قصّر.»
وهكذا، شيئًا فشيئًا، قد لا نعود نعيش الحياة التي تناسبنا، بل الحياة التي نريد للآخرين أن يعتقدوا أننا نعيشها.
وتلك واحدة من أغرب مفارقات عصرنا:
أن يتعب الإنسان في الخفاء، لكي يبدو سعيدًا أمام الناس.
حين يصبح الناس ميزان حياتنا
المشكلة ليست في الجمال، ولا في امتلاك سيارة جيدة، ولا في السفر، ولا في إقامة عرس جميل، ولا في الاستمتاع بما أحل الله من نعمه.
المشكلة تبدأ حين تتحول النعمة من وسيلة لإسعادنا إلى وسيلة لإثبات أنفسنا أمام الآخرين.
فقد يشتري إنسان سيارة لا يحتاجها، ليس لأنها تناسب دخله أو أسرته، وإنما لأن زميله اشترى أفضل منها.
وقد تقيم أسرة حفلًا يفوق قدرتها، لا لأن هذا ما تريده، وإنما لأن عرس الأسرة الفلانية كان ضخمًا، ولا تريد أن يقال إن حفلها أقل منه.
وقد يسافر شخص وعليه التزامات وديون، فقط لأن صور الآخرين ملأت هاتفه بالشواطئ والفنادق والمطارات.
وهكذا يتحول الآخرون، من حيث لا نشعر، إلى مديرين غير مرئيين لحياتنا.
يحددون ماذا نشتري.
وأين نسافر.
وكيف نحتفل.
وأين نسكن.
بل أحيانًا حتى كيف نربي أبناءنا.
والمفارقة أن هؤلاء الذين نستنزف أنفسنا لإرضائهم ربما يتحدثون عنا دقائق معدودة… ثم يعود كل واحد منهم إلى حياته.
بينما نبقى نحن سنوات ندفع ثمن إعجابهم المؤقت.
ننظر إلى من فوقنا… وننسى ما في أيدينا
من أخطر أبواب التعاسة أن يجعل الإنسان عينيه دائمًا على من يملك أكثر منه.
يرى بيتًا أكبر، فيصغر بيته في عينه.
ويرى سيارة أحدث، فتفقد سيارته قيمتها.
ويرى رحلةً أجمل، فينسى النزهة التي أسعدت أسرته.
ويرى راتبًا أعلى، فينسى نعمة العمل الذي بين يديه.
وكلما صعد درجة في حياته، رفع بصره إلى درجة أخرى، فلا يصل أبدًا إلى محطة اسمها الرضا.
والمشكلة أن الإنسان في هذه المقارنة لا يقارن حياته كلها بحياة الآخرين كلها؛ بل يقارن واقعه الكامل بأجمل لقطة من واقعهم.
يرى الصورة ولا يرى القرض.
يرى السيارة ولا يرى القسط.
يرى الفندق ولا يرى الالتزامات المؤجلة.
يرى الابتسامة أمام الكاميرا ولا يعرف ما خلف الباب المغلق.
فتصبح المقارنة غير عادلة منذ البداية.
راتب واحد… وحياة ترتفع تكلفتها
وهنا تأتي الحقيقة التي ذكرتها الحياة لكثير من الناس بقسوة:
قد تبقى موارد الإنسان محدودة، بينما ترتفع من حوله تكاليف السكن والطعام والتعليم والخدمات والسفر وسائر متطلبات الحياة.
فإذا أضاف إلى هذه الالتزامات الطبيعية التزامًا آخر اسمه «مواكبة الناس»، بدأ الخناق المالي يضيق.
قسط سيارة.
قرض شخصي.
بطاقة ائتمانية.
التزام لعرس.
سفر بالتقسيط.
مشتريات مؤجلة.
وكل واحدة منها تبدو وحدها محتملة.
لكن حين تجتمع، يصبح جزء كبير من دخل الإنسان محجوزًا قبل أن يصل إلى يده.
ثم يحدث طارئ.
يمرض أحد.
تحتاج السيارة إلى إصلاح.
ترتفع مصروفات الأبناء.
تظهر حاجة أسرية لم تكن في الحسبان.
وهنا يكتشف الإنسان أن المساحة التي كان ينبغي أن تحميه من تقلبات الحياة قد أنفقها منذ سنوات على صورة اجتماعية.
وهذه ليست مجرد موعظة؛ ففي عُمان مثلًا، أشار تقرير الاستقرار المالي للبنك المركزي العُماني لعام 2025 إلى أن اقتراض الأسر من القطاع المصرفي بلغ نحو 11.9 مليار ريال عُماني في 2024، وأن مديونية الأسر قياسًا إلى الناتج المحلي غير النفطي بلغت 42.6%. وأكد التقرير في الوقت نفسه أن المخاطر ظلت محتواة في ظل الأطر التنظيمية وجودة المقترضين. والأرقام لا تعني أن كل الاقتراض سيئ، لكنها تذكّرنا بأن التزامات الأسر المالية قضية حقيقية تستحق حسن التدبير.
القرآن… والميزان الذي فقدناه
جاء الإسلام بمنهج بالغ الجمال في التعامل مع المال: لا حرمان ولا إسراف.
قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾
[الفرقان: 67].
﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾…
يا لها من قاعدة تصلح لميزانية بيت، كما تصلح لمنهج حياة.
لا تكن بخيلًا على نفسك وأهلك وأنت قادر.
ولا تنفق حتى تصبح أسيرًا لما اشتريت.
فالاعتدال ليس أن تحرم نفسك من الحياة، وإنما أن تستمتع بها دون أن ترهن غدك من أجل اليوم.
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾
[الإسراء: 26-27].
بل يرسم القرآن صورة مالية دقيقة أخرى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾
[الإسراء: 29].
فالمشكلة ليست في الإنفاق؛ وإنما في الإنفاق الذي يترك صاحبه بعد ذلك محسورًا.
عرس ليلة… ودَين سنوات
ومن أكثر المظاهر الاجتماعية التي تستحق المراجعة ما يحدث أحيانًا في الزواج.
فالزواج الذي يفترض أن يكون بداية للاستقرار، قد يبدأ عند البعض بقائمة طويلة من الالتزامات.
قاعة أفخم.
ديكور أكبر.
وليمة أوسع.
ملابس أكثر.
تصوير أغلى.
لأن هناك جملة يخشاها الجميع:
«ماذا سيقول الناس؟»
لكن الناس يأكلون العشاء ويعودون إلى بيوتهم.
ويبقى العروسان.
ويبقى الحساب.
ويبقى القسط.
ويبقى الضغط الذي قد يدخل معهما إلى حياتهما الجديدة.
فأي حكمة في أن نُسعد الناس ليلة، ثم نحمل أسرةً جديدة عبء سنوات؟
إن أجمل الأعراس ليس أكثرها تكلفة، وإنما أكثرها بركة، وأجمل البيوت ليس أكثرها أثاثًا، وإنما أكثرها سكينة.
السيارة… من وسيلة إلى إعلان اجتماعي
السيارة في أصلها وسيلة.
لكنها عند البعض تحولت إلى بطاقة تعريف اجتماعية.
فيغير سيارةً تعمل جيدًا لأن موديلًا أحدث ظهر.
ويشتري آخر مركبة تتجاوز قدرته لأن مكانته – كما يتصور – تفرض عليه ذلك.
ثم يدفع كل شهر جزءًا من راحته النفسية مقابل شيء اشتراه ليحصل على إعجاب الآخرين.
وهنا ينبغي أن يسأل الإنسان نفسه بصدق:
هل أنا أملك هذه السيارة… أم هي التي تملك جزءًا من مستقبلي؟
ولا عيب في الفخامة لمن يستطيعها.
العيب أن نستدين لنمثل الثراء.
والسفر… حين تصبح الصورة أهم من الرحلة
حتى السفر، الذي يفترض أن يكون راحة واكتشافًا وتجديدًا للنفس، أصابته عدوى المقارنة.
أين سافر فلان؟
في أي فندق أقام؟
درجة الطيران؟
أي مطعم زار؟
وكم صورة نشر؟
حتى أصبح بعض الناس لا يسافرون إلى المكان الذي يحبونه، وإنما إلى المكان الذي يبدو أجمل عندما يُنشر.
وقد ينشغل الإنسان أثناء الرحلة بإثبات أنه سعيد أكثر من انشغاله بأن يكون سعيدًا فعلًا.
نصور الطعام قبل أن نتذوقه.
ونصور البحر قبل أن نتأمله.
ونصور أبناءنا بدل أن نلعب معهم.
ثم نعود بآلاف الصور، وربما بذكريات أقل مما ينبغي.
الأبناء يدفعون أحيانًا ثمن المظاهر
ولا تقف المشكلة عند الوالدين.
حين تُستنزف ميزانية الأسرة في المظاهر، قد يأتي الثمن من أشياء أهم.
ادخار الأبناء.
تعليمهم.
الطوارئ الصحية.
صيانة المنزل.
الاستقرار النفسي.
بل قد يعيش الطفل نفسه داخل ثقافة المقارنة، فيتعلم أن قيمته في الحذاء الذي يرتديه، والهاتف الذي يحمله، والسيارة التي توصله إلى المدرسة.
وهكذا نورث أبناءنا المرض ذاته:
أن ينظروا إلى أنفسهم بعيون الآخرين.
هل الفقر أن تملك قليلًا؟
ربما نحتاج إلى إعادة تعريف الغنى.
ليس الغني دائمًا من يقود أغلى سيارة.
فقد يكون خلف المقود إنسان يحسب الأيام حتى موعد القسط.
وليس صاحب البيت الأكبر أهدأ الناس بالًا.
وليس كثير السفر أكثر الناس سعادة.
قد يكون إنسان يعيش في بيت متواضع، بسيارة مناسبة، بلا ديون خانقة، ويملك مدخرات للطوارئ، ويجلس مساءً مع أسرته مطمئن القلب…
أغنى بكثير ممن يملك الأشياء وتملكه التزاماتها.
فالغنى الحقيقي ليس أن تستطيع شراء كل ما تريد.
بل أن لا تحتاج إلى شراء شيء كي تثبت للناس من أنت.
الديون ليست كلها سواء
ومن العدل أيضًا ألا نجعل كل دين مذمومًا.
فالإنسان قد يقترض لمسكن يحتاجه، أو تعليم، أو ضرورة، أو مشروع مدروس. والتمويل أداة مالية قد تكون نافعة إذا أُحسن استخدامها.
لكن هناك فرقًا بين:
دين يبني حياتك، ودين يبني صورتك أمام الناس.
الأول قد يكون استثمارًا محسوبًا.
والثاني قد يكون ثمنًا باهظًا لنظرة عابرة.
ولهذا تضع الأنظمة المصرفية نفسها حدودًا لنسب خدمة الدين، لأن قدرة الإنسان على السداد ليست بلا نهاية؛ ويضع البنك المركزي العُماني أطرًا تنظيمية لنسب خدمة الدين في الإقراض الشخصي والسكني حمايةً للاستقرار والقدرة على السداد.
عِشْ على مقاسك
ليس عيبًا أن تقول:
هذا لا يناسب ميزانيتي.
ليست جملة فقر.
إنها جملة نضج.
وليس عيبًا أن تحتفظ بسيارتك سنوات أخرى.
ولا أن تقيم مناسبة بسيطة.
ولا أن تقضي إجازتك داخل بلدك.
ولا أن تلبس ما لديك مرة أخرى.
ولا أن تقول لأبنائك: لا نستطيع شراء هذا الآن.
العيب الحقيقي أن تعرف أنك لا تستطيع، ثم تفعل، لأنك تخشى كلام أناس لن يدفع أحد منهم عنك ريالًا واحدًا عندما يأتي موعد القسط.
لا تجعل الآخرين يكتبون ميزانيتك
الناس لن يتوقفوا عن المقارنة.
إن اشتريت سيارة، وجدوا أفضل.
وإن بنيت بيتًا، وجدوا أكبر.
وإن سافرت، وجدوا أبعد.
وإن أقمت حفلًا، وجدوا أفخم.
إن جعلت رضا الناس هدفًا ماليًا، فقد اخترت هدفًا لا نهاية له.
لذلك اكتب ميزانيتك وفق حياتك أنت.
دخلك أنت.
أبنائك أنت.
التزاماتك أنت.
أهدافك أنت.
ومستقبلك أنت.
فالمال الذي في يدك أمانة، وقرارات اليوم هي التي تصنع راحة الغد أو ضيقه.
الخاتمة… لمن تعيش؟
قد يصل الإنسان بعد سنوات إلى لحظة مؤلمة.
ينظر إلى الأقساط المتراكمة.
وإلى المدخرات التي لم يصنعها.
وإلى أشياء اشتراها ولم يعد يهتم بها.
ثم يتذكر أن كثيرًا منها لم يشتره لأنه احتاجه، وإنما لأنه أراد أن يراه الناس به.
وهنا يكون السؤال متأخرًا:
لماذا فعلت كل ذلك؟
الناس الذين أردت إبهارهم مشغولون اليوم بحياتهم.
والسيارة التي كانت حديث المجلس أصبحت موديلًا قديمًا.
والهاتف الذي انتظرت إطلاقه أصبح في درج.
والحفل الذي أنفقت عليه الكثير أصبح صورًا.
والرحلة التي دفعت ثمنها بالتقسيط انتهت.
لكن بعض الأقساط ربما لم تنتهِ بعد.
فلا تجعل حياتك مسرحًا، والناس جمهورًا، وأنت ممثلًا يدفع من راحته ثمن التصفيق.
عِش جميلًا، والبس جميلًا، وسافر، وافرح، وأكرم ضيفك، واستمتع بما رزقك الله…
ولكن عِش على قدر نعمتك، لا على قدر نظرة الناس إليك.
وانظر أحيانًا إلى ما في يدك بدل أن تبقى عيناك معلقتين بما في أيدي الآخرين.
فقد تكتشف أنك كنت غنيًا طوال الوقت…
لكن المقارنة أقنعتك بأنك فقير.
وتذكر:
ليس النجاح أن يظن الناس أنك تعيش حياةً عظيمة؛ النجاح أن تغلق باب بيتك في نهاية اليوم، فلا يبقى خلفه جمهورٌ تحتاج إلى إبهاره، ولا دينٌ يخنق صدرك، ولا مقارنةٌ تسرق رضاك… وتكون راضيًا عن الحياة التي اخترتها أنت.














