الكسوف الأعظم… كسوف الضمائر لا كسوف الكواكب

اللواء الركن فيصل الدليمي

لا أقصد اليوم كسوف الشمس. فالشمس بيد الله، وبرحمة من الله.ولو كانت لا سامح الله واستغفر الله بيد البشر لعاثوا فيها فساداً، ولاستقالت كواكبنا اليوم من الحياة الأليمة..

ولكن أعني بهذا المصطلح زاوية أخرى، وجهة مختلفة تماماً.
جهة باردة لا تصلها الشمس، تختبئ خلف ضباب مجهول الهوية. جهة صماء سوداء ظلماء، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها آمنت المكوث وارتفعت فوق سطوح المنازل ورؤوس الجبال، فتخلل مشروعها بيننا تركز على أرواحنا بحنكة محلل لحروب قديمة ..
تلك الزاوية المختبئة خلف بلادنا النائمة، باتت تطلق أشعة كسوفية خرجت من سرداب الموت البطيء.أشعة أفقية المدى بين البشر، وليست عمودية التأثير من السماء.فمصدرها ليس اختفاء ضوء الشمس بكسوفها، أو انسحاب نور القمر بخسوفه.
إنما مصدرها احتجاب ضمائر البشر. فما عاد يروينا ويبهجنا وينعشنا سوى صوت المطر..
أكون منصفاً: الشمس ما زالت على عهدها قائمة. تشرق صباحاً وتغيب مساءً، وتُكسف في السنين مرة رحمة بالبشرية وعودة لتنقية النفس.والقمر ما زال على عهده يظهر في الحضر والبادية، وفي منتصف الشهر. وما زلنا نتأمل شقه ولونه وسره بالدقيقة والثانية..وإنما الكسوف الذي تناوله قلمي بدقة في هذه اللحظة الحزينة وحدّب الفكر له بشدة، هو ذلك الكسوف الذي وقع فيه الإنسان اليوم.
فالطبيعة برياحها الموقرة لم تكسر الفنجان، وبريئة لم توقظ البركان، ولم تغرق اليابسة لترضي البحر، ولم تشرب البحر لتسعد اليابسة. بل كان كسوفاً من فعل البشر. احتفلت به نفوس مظلمة، وانصهر بعالمنا كجبال ممتدة، وتخلل موطننا بشراهة من أغرق صديقه وأخيه في بحور ضاربة
سحيقة ..هو كسوف أرقد الحياة ووضعها تحت رحمة الموت السريري.كسوف توغل في الفعل، والنية، والمشاعر، والعمل، والوظيفة، والكتابة، في الأدغال والأوطان.والمؤسف أن قائده ومطبله ومدندنه هو نفسه الإنسان ذو البصيرة العقيمة.
كسوف بشري رمى بشرارة حقده بنيزك حربي مجوف، باطنه العذاب وظاهره الرحمة.
كسوف في تعاملاتنا وتصرفاتنا أباد الحياة، فلم يعد في وطني اليوم إلا أشباه حياة.
كسوف تجسد في ذرات صغيرة مسممة ضريرة، محملة بأمراض دخيلة، أشد وقعاً من كورونا اللعينة انتشرت ببطء وتحركت بدهاء بين التراب والماء والأرض والأجواء، حتى وصلت إلى ذواتنا المفقودة والمثقوبة.
حصرتنا في زاوية مكان مكتظ، فأصبحنا على هذه الأرض لا نحن، بل نؤدي اليوم دور أشباهنا.؟!
أين نحن من كل هذه الحقيقة؟ هل لم نعد نعرف الحقيقة..؟!
كسوف نتداوله بيننا ونمضي معه مجبرين ،وهو من خبأ عنا خريطة السلام والبناء والحب والتسامح تحت الجذور العميقة، فأصبحنا له ضحية..
وعندما قررت أن أستيقظ وأقلع من مطار شجرتي الخيالية، المصبوغة بالألوان الزرقاوية والقرمزية، التي كان طولها يبلغ ألفاً ومائة متر..رأيت الكون بنظرتنا كئيباً يسأل: أين ربيعكم؟ أين حضوركم؟ أين حضارتكم العريقة؟ ،وفعلاً، في هول هذه الرؤية تبدلت ملامحي، وفقدت جدولة الحديث، وصرت معه أعمى لا أرى ولا أسمع.
فبـ “نظرة أفق” رأيت الزخم الواسع من الكسوف الذي تبادلناه فيما بيننا بجمل الاعتياد، يوماً بعد يوم كالسكارى ..
نعم أصـبح الأمر عادياً أن نرى شوارعنا تُذبح، ومدننا تموت، وأبناءنا يرحلون.عادياً أن يسقط أحباؤنا ولا يرجعون، دون أن نودعهم بالمحبة الصادقة الأمينة من الوداع الأخير لمصابنا العظيم.

هل كان الأمر بسيطاً حين أعلن المارد الشرقي والغربي والشمالي والجنوبي، الأعجمي والأوروبي والإفرنجي والبيزنطي والصهيوني… شرارة حقدهم بالإجماع من البداية وقالوا:
“سنمحي ذلك الوطن، وسنذبح شوارعه، ونخليه من الموازرة، ونلتهم حضارته، ونوقعه من الفقر إلى فقر، وندمر موانئه ونلوث شواطئه، ونطمس حضارته، ونتقاسم أرضه النادرة الثمينة ونتحكم بأنهاره الخالدة ونخيله وبساتينه الزاهية البارحة والمحتضرة الحزينة .
وسنقيم في الاتجاهات الأربع لوطننا المكسوف دويلات مستقلة يسهل المتاجرة بها، تُرفع فيها الأعلام الغريبة وتُقتل فيها حرية الإنسان باسم الوطن وباسم الدين والإسلام”؟!

رجعت من عالم الفلك بنفسية متخمة الجراح، وعدت إلى قريتي الصغيرة المتعبة الشاحبة الفقيرة .واستيقظت أخيراً من رحلة السماء، وشاركتني الحياة، وتكرمت البصيرة بأن تهديني :إن الكسوف البشري هو الآخر يحتاج اليوم لصلاة كسوف روحية.
صلاة طويلة مقدسة، نحط فيها أرواحنا ركوعاً وسجوداً بكل صدق وخشوع، عسى أن تعود لنا شمس السماء وشمس الروح العزيزة.

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ }
وإلى الله ترجع الأمور…

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24