الأدب بين قداسة اللغة و سلطة الجمهور

بقلم  منير راجي _ الجزائر 

إنّ الإنسان أدبي بطبعه ، حتى و إن كان لا يجد في الأدب متعة أو ذوقا لسبب من الأسباب ؛ فهو ، رغم ذلك ، عنصر يفيض أدبا وفنا. كثيرون هم الذين يعتقدون أن الأدب مجرد كلام ديكوري يدخل ضمن الكماليات ، دون أن يدركوا أنهم مارسوا الأدب ، و أثروا فيه وتأثروا به ، بطرق مختلفة .

لقد تعودنا أن نصنّف عشاق الأدب حسب قابلية الإنسان لقراءة الكتب الأدبية الفصيحة ، شعرا و رواية و مسرحا ، و مدى قدرته على فهم اللغة و أصولها . لكن الأمر قد يكون غير ذلك ، و قد يكون هذا التصنيف بعيدا كل البعد عن الحقيقة ؛ فالأدب قبل كل شيء ذوق و إحساس و مشاعر ، و هو فن قائم بذاته . و كلما ابتعد عن الإحساس، أصبح بعيدا عن هموم المواطن و مشاكله ، و بالتالي أصبح بعيدا عنه.

و الأدب ، في نظري ، هو تعبير عن حالة أو مجموعة من الأحوال النفسية أو الاجتماعية أو حتى السياسية ، بصرف النظر عن لغة التعبير . و لهذا نجد العديد من الأدباء قد ماتوا تحت أقدام اللغة ؛ لأنهم جعلوا من اللغة غاية ، بدل أن يجعلوا منها وسيلة للوصول إلى الإنسان .

فاللغة وسيلة الأدب ، أما الإنسان فهو غايته.

و من هنا يتضح لنا مدى أهمية الأدب الشعبي ؛ فهو غذاء ثقافي و وجداني لقطاع واسع من المجتمع ، بمثقفيه و بسطائه ، و هو لون من التعبير يستطيع أن يصل إلى من قد تعجز اللغة الأدبية النخبوية عن الوصول إليهم . و الأدب الشعبي ، شأنه شأن الأدب الفصيح ، يستطيع أن يحمل فكرة و شعورا و تجربة إنسانية ، إلا أن قوته تكمن ، في كثير من الأحيان ، في قربه من لغة الناس و حياتهم اليومية …

دعني ، عزيزي القارئ، أضرب لك بعض الأمثلة .

لنبدأ بالروائي العربي نجيب محفوظ ، و هو غني عن التعريف ، خاصة عند المثقفين و دارسي الأدب وفنونه . لكن رغم جهل كثير من الأميين باسمه أو عدم قراءتهم لرواياته ، فإنهم تعرفوا على نماذج من عالمه الروائي و تذوقوها و عاشوها من خلال السينما . و السبب في ذلك راجع إلى انتقال عالمه الروائي من اللغة المكتوبة إلى لغة الصورة ، فأصبحت الشخصيات و الأحداث قريبة من الجميع …

و لعل رواية ( القاهرة 30 ) مثال واضح على ذلك ؛ فقد ساهم تحويل العمل إلى فيلم في توسيع دائرة وصوله إلى جمهور لم يكن بالضرورة قادرا على قراءة الرواية أو التعامل مع لغتها . و هنا تظهر قوة الفن حين يعيد تقديم الأدب بلغة أخرى يفهمها الجميع .

و الشيء نفسه يمكن أن يقال عن المسرح بوصفه فضاء تتفاعل فيه الكلمة مع الأداء و الحركة و الجمهور . فكثير من النصوص المسرحية قد تُكتب بلغة فصيحة ، لكنها لا تبلغ ذروة تأثيرها إلا عندما تنتقل إلى الخشبة ، حيث تصبح الكلمة فعلا حيا ، و يتحول النص من صفحات صامتة إلى تجربة جماعية .

أما النقطة الأساسية والحساسة في الأدب الشعبي ، فتتمثل في الشعر الغنائي ؛ إذ نجد أن السواد الأعظم من الناس يرتاح للأغنية الشعبية ، لأنه قادر على فهمها و العيش معها . و هذا ما جعل الأغنية قادرة على الوصول إلى جمهور واسع ، بينما بقي كثير من الشعراء الذين يكتبون بالفصحى بعيدين عن هذا المجال .

و لعل المثال الأشهر هو أم كلثوم ، حين غنت ( الأطلال ) لإبراهيم ناجي . فالمثقف يعرف الشاعر و يدرك قيمة النص ، بينما قد يستمع الإنسان محدود الثقافة إلى الأغنية و يعيش جمالها دون أن يعرف اسم صاحب الكلمات . و هنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة في علاقة الجمهور بالأدب : قد يجهل المتلقي اسم الشاعر ، لكنه يحفظ كلماته ، و قد يبقى الأثر بينما يختفي الاسم …

و الأمر نفسه نجده في أغنيات عبد الحليم حافظ ، مثل ( زي الهو) و ( أي دمعة حزن لا ) ، حيث ارتبطت الكلمات بوجدان الناس ، حتى و إن لم تكن أسماء شعرائها حاضرة في ذاكرتهم …

و هكذا يمكننا القول إن الأدب الشعبي أسهم ، و لا يزال يسهم في دفع الحركة الأدبية و الفنية إلى الأمام ، لأنه يفتح أبوابا واسعة أمام الجمهور، و يجعل التعبير الأدبي جزءا من الحياة اليومية ، لا حكرا على القارئ المتخصص …

لكن هنا يطرح السؤال نفسه : هل كل ما هو شعبي أدب عظيم؟ و هل كل ما تحبه الجماهير يمتلك بالضرورة قيمة فنية عالية ؟

بالطبع لا .

فالشعبية وحدها ليست معيارا نهائيا للجودة ، كما أن النخبوية ليست دليلا على العظمة . قد يكون العمل شديد الشعبية و ضعيفا من الناحية الفنية ، و قد يكون العمل صعبا أو نخبويا لكنه عميق و ذو قيمة كبيرة . و لذلك فإن القضية ليست في أن ننتصر للغة الشعبية ضد الفصحى ، و لا أن نضع الجمهور في مواجهة النخبة ، و إنما في أن ندرك أن الأدب أوسع من أن تحاصره لغة واحدة أو جمهور واحد .

المشكلة تبدأ عندما تصبح اللغة حاجزا بين الأدب و الإنسان ، و عندما تتحول الفصاحة من وسيلة للجمال إلى جدار يمنع الوصول إلى المعنى .

و في المقابل ، لا ينبغي أن نعتبر اللغة الشعبية بديلا عن الفصحى، و إنما لونا آخر من ألوان التعبير ، له خصوصيته و جماله و قدرته على ملامسة شرائح واسعة من المجتمع .

إن الأدب الحقيقي لا يسأل فقط : بأي لغة أقول؟ و إنما يسأل أيضا : كيف أصل ؟

و هنا يأتي دور المسرح و الغناء و السينما ؛ فهي وسائل قادرة على نقل الأفكار و المشاعر إلى جمهور واسع ، و تحويل النص من فضاء القراءة الفردية إلى فضاء التلقي الجماعي . و في عصر السرعة ، أصبحت هذه الوسائط أكثر حضورا في حياة الإنسان ، لكنها لا تلغي الكتاب ، و لا تستطيع أن تحل محل القراءة تماما ؛ فمشاهدة رواية في ساعتين ليست هي قراءة الرواية ، و إنما هي رؤية فنية جديدة لها …

الحقيقة أن لهذا الموضوع مجالا واسعا من الدراسات و المناقشات التي قد تحتد و تطول ، و لا يمكن اختزالها في مقال واحد . و إنما أردت من خلال هذا المقال أن أسلط بعض الأضواء حول الأدب الشعبي.، و أن ألح على ضرورة الاهتمام بالمسرح و الغناء و السينما ، لأنها قادرة ، حين تُحسن توظيفها ، على رفع الذوق الفني و الثقافي لأغلبية الجماهير …

فالأدب لا يبدأ من اللغة وحدها ، بل من الإحساس ؛ و اللغة جسده ، و الإنسان روحه .

و لعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا هو :

هل قيمة الأدب في اللغة التي يُكتب بها ، أم في الأثر الذي يتركه في الإنسان ؟

بقلم / منير راجي _ وهران / الجزائر

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24