الدكتور ثائر العجيلي
لم تعد معضلة الرئيس دونالد ترامب مع إيران تتعلق بامتلاك الولايات المتحدة القدرة على توجيه ضربة عسكرية؛ فهذه القدرة لم تكن موضع شك يومًا. المعضلة الحقيقية أن ترامب رفع سقف المواجهة إلى مستوى لم يترك لنفسه بعده سوى انتصار واضح أو تراجع مكشوف. فقد طالب طهران بتنازلات تمس جوهر نظامها، ولوّح مرارًا بالقوة، وقدّم كل جولة تفاوضية باعتبارها الفرصة الأخيرة، حتى أصبح أسيرًا للغة التهديد التي اختارها بنفسه.
لقد أراد ترامب أن يجعل الغموض جزءًا من معادلة الردع، لكنه كرر التهديد حتى بدأ هذا الغموض يفقد قيمته. وعندما يتحول التلويح بالقوة إلى خطاب يومي، لا يعود الخصم يسأل: هل ستقع الضربة؟ بل يبدأ في حساب قدرته على تحمّلها والرد عليها. وهنا انتقل ترامب من استخدام القوة للضغط على إيران إلى مواجهة سؤال أصعب: ماذا لو لم تُخضع الضربة إيران؟
قد تستطيع الطائرات الأمريكية أن تدمر مواقع نووية وصاروخية ومنشآت للطاقة، لكنها لا تستطيع بالقوة الجوية وحدها محو المعرفة النووية، أو ضمان سقوط النظام، أو إجبار قيادة جديدة على توقيع وثيقة استسلام. وإذا لم تحقق الضربة هذه الأهداف، فسيتعين على ترامب أن يختار بين تكرارها والدخول في حرب استنزاف، أو التوقف بعد إنجاز عسكري محدود يعجز عن تسويقه بوصفه نصرًا استراتيجيًا.
وهنا تظهر مشكلة وعوده الكبرى. فالرئيس الذي قدم نفسه بوصفه قادرًا على إنهاء الحروب وإجبار الخصوم على الخضوع، قد يجد نفسه أمام حرب بدأها من دون أن يمتلك تصورًا واضحًا لنهايتها. إن تدمير المنشآت أسهل كثيرًا من بناء نظام إقليمي مستقر بعدها، وإطلاق الصواريخ أكثر سهولة من ضمان أن يكون اليوم التالي أقل خطرًا من اليوم الذي سبقه.
ولا يبدو الرد الإيراني بحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا؛ يكفيه أن يحرم ترامب من النصر السريع. تستطيع طهران توزيع ردها بين القواعد الأمريكية، والطاقة الخليجية، والملاحة، والهجمات السيبرانية والوكلاء، بحيث تتحول الضربة الواحدة إلى أزمة إقليمية متحركة. وعندها لن تكون المشكلة في حجم الضرر الأول، بل في تراكم الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفي عجز واشنطن عن تحديد اللحظة التي يمكن فيها إعلان انتهاء الحرب.
كما أن الرهان على أن الحرب ستعيد المنطقة بالكامل إلى المظلة الأمريكية وتنتج صفقات دفاعية ضخمة ينطوي على تبسيط شديد. فقد تستفيد واشنطن من زيادة الطلب على الحماية، لكن اضطراب الطاقة والأسواق والملاحة، واحتمال اتساع الحرب، قد يفرض كلفة تفوق أرباح السلاح. فالإمبراطوريات لا تُقاس بحجم ما تبيعه أثناء الأزمات، بل بقدرتها على منع الأزمات التي تهدد النظام الذي تقوده.
أما الاعتقاد بأن ضرب إيران سيدفعها حتمًا إلى مغادرة المحور الصيني–الروسي والتحالف مع الغرب والتطبيع مع إسرائيل، فيقترب من التفكير الرغبوي. فالقوة قد تغير حسابات دولة، لكنها لا تمحو تاريخها وهويتها ومصالحها بمجرد قصف منشآتها. وقد يؤدي تدمير الدولة إلى إنتاج إيران أكثر تشددًا أو أكثر فوضى، لا إيران أكثر قربًا من واشنطن.
وليس صحيحًا أيضًا أن الحرب أصبحت مسألة «كرامة» للمؤسسة العسكرية الأمريكية بما يجعل الضربة حتمية. المؤسسة العسكرية المحترفة لا تقيس كرامتها بعدد الحروب التي تبدأها، بل بوضوح المهمة وإمكان تحقيق الهدف والخروج المنظم منها. تحويل الحرب إلى اختبار للهيبة هو الطريق الأقصر لاتخاذ قرار عسكري من أجل إثبات القوة، لا من أجل تحقيق غاية سياسية قابلة للحياة.
لقد وجد ترامب نفسه أمام معادلة كان قد ساهم بنفسه في صناعتها؛ شروط قصوى لا تقبلها طهران، وتهديدات متكررة يصعب التراجع عنها دون كلفة سياسية، وضربة عسكرية محتملة لا تضمن تحقيق النتيجة التي بُنيت عليها. ولذلك لم تعد المسألة: هل يستطيع ترامب أن يضرب إيران؟ بل: هل يستطيع الاعتراف بأن القوة التي يملكها لا تمنحه بالضرورة النتيجة التي وعد بها؟
فالضربة ليست السؤال…
والقوة ليست المعضلة…
ولا حتى امتلاك السلاح هو جوهر الأزمة…
إنما المعضلة الحقيقية تكمن في صانع القرار؛ ذلك الذي يمتلك القوة، لكنه لا يمتلك اليقين الكامل بنتائج استخدامها.
ففي الاستراتيجية، لا تُقاس عظمة القادة بعدد الحروب التي يستطيعون إشعالها، بل بعدد القرارات التي يعرفون متى يتخذونها، ومتى يؤجلونها، ومتى يتراجعون عنها دون أن يخسروا الهدف السياسي الذي قامت من أجله.
ولهذا، فإن السؤال الذي يواجه ترامب اليوم ليس: هل يستطيع أن يضرب إيران؟ بل: هل يستطيع أن يضمن أن الضربة ستنتج سلامًا أفضل من الأزمة التي سبقتها؟
فالتاريخ لا يحاسب القادة على امتلاك القوة…
بل يحاسبهم على كيفية استخدامها.















