بقلم : بسيوني أبوزيد
في رسالة تحمل دلالات سياسية مهمة، حسم الرئيس عبد الفتاح السيسي الجدل بشأن مستقبله في الحكم، مؤكدًا أن عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاسته، وأن الدستور المصري لن يُمس. وجاء هذا التأكيد في كلمته خلال حفل تخرج دفعات الأكاديمية والكليات العسكرية يوم 17 أكتوبر 2026، ليعيد إلى الواجهة قضية تداول السلطة ومستقبل القيادة السياسية في مصر. .
إن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في تحديد موعد مغادرة الرئيس لمنصبه، وإنما في تأكيد مبدأ أساسي ينبغي أن يستقر في وجدان المصريين: مصر دولة مؤسسات، والحكم فيها ليس ملكية خاصة ولا ميراثًا ينتقل من شخص إلى آخر، بل مسؤولية وطنية تحكمها إرادة الشعب والدستور والقانون.
لقد مرت مصر خلال السنوات الماضية بتحديات سياسية وأمنية واقتصادية جسيمة، وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة الدولة وسلامة أراضيها، ومواجهة الإرهاب، واستعادة مؤسسات الدولة قدرتها على أداء دورها، وتعزيز حضور مصر الإقليمي والدولي. ويرى مؤيدو الرئيس أن قيادته أسهمت في عبور البلاد مراحل بالغة الصعوبة، والحفاظ على تماسك الدولة في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
لكن الحفاظ على الدولة لا يتوقف عند شخص الرئيس، مهما كانت مكانته أو حجم إنجازاته؛ فالدولة القوية هي التي تبني مؤسسات قادرة على الاستمرار، وتُعد أجيالًا جديدة تتحمل المسؤولية، وتضمن انتقال القيادة وفق قواعد دستورية واضحة ومستقرة.
الدستور فوق الجميع
إن تأكيد الرئيس أن الدستور لن يُمس وأن ولايته ستنتهي في عام 2030 يضع مبدأ احترام الدستور وتداول السلطة في صدارة النقاش العام. فالمادة 140 من الدستور المصري تنص على انتخاب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات، وتحظر توليه الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين، وفق النصوص الدستورية المنظمة لذلك. .
والأهم من التصريحات أن تتحول هذه المبادئ إلى ممارسة سياسية راسخة، بحيث يصبح احترام الدستور قاعدة لا استثناء، وتكون مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص، وتظل مصلحة مصر فوق أي اعتبار.
كما أن الحديث عن إعداد كوادر وطنية مؤهلة لتولي المسؤوليات العامة يمثل خطوة مهمة إذا استهدف بناء جيل يمتلك العلم والكفاءة والخبرة والنزاهة. غير أن اختيار رئيس الجمهورية يظل حقًا للشعب عبر الانتخابات والإجراءات الدستورية، وليس قرارًا تنفرد به لجنة أو مؤسسة بعينها.
بين التأييد والمعارضة.. مصر أكبر من الخلافات
وكما هو متوقع، أثار الإعلان ردود فعل متباينة بين مؤيد يرى فيه تأكيدًا على احترام الدستور واستقرار الدولة، ومعارض يطالب بضمانات عملية لتداول السلطة، ويرى أن العبرة ليست بالتصريحات وحدها، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة السياسية وحرية المنافسة والاختيار.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا النقاش إلى ساحة للشائعات أو التشكيك غير المستند إلى أدلة. فالمواقف السياسية تُناقش بالحجة والوقائع، وليس بالتخوين أو إطلاق الاتهامات.
أما الجماعات التي تتخذ من معارضة الدولة وسيلة لإثارة الانقسام، ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين، فيجب التعامل مع خطابها بميزان الوقائع، ومواجهة أي دعوات للعنف أو الخروج على القانون وفقًا للقانون، مع التمييز بين النقد السياسي المشروع وبين التحريض على العنف أو تهديد أمن المجتمع.
فليس كل معارض خصمًا للوطن، كما أن ليس كل مؤيد فوق النقد. والوطن يحتاج إلى وعي يحميه من الشائعات، وفي الوقت نفسه يحترم حق المواطنين في السؤال والمحاسبة والتعبير السلمي عن آرائهم.
من يقود مصر بعد 2030؟
هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن يشغل المصريين منذ الآن. فالمطلوب ليس مجرد البحث عن اسم الرئيس القادم، بل إعداد منظومة سياسية وإدارية تفرز قيادات تمتلك القدرة على إدارة الاقتصاد، وتحسين مستوى المعيشة، وتطوير التعليم والصحة، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية الأمن القومي.
إن مصر لا ينقصها أصحاب الكفاءات، وإنما تحتاج إلى آليات عادلة لاختيارهم، وإتاحة الفرصة أمامهم للمنافسة وتحمل المسؤولية، بعيدًا عن المصالح الضيقة أو الولاءات الشخصية.
وإذا كانت الدولة تعمل على إعداد كوادر جديدة، فإن نجاح هذه الخطوة يُقاس بقدرتها على تقديم شخصيات مؤهلة تحظى بثقة المواطنين، وتستطيع قيادة البلاد وفق برنامج واضح، وتخضع للمحاسبة، وتلتزم بالدستور والقانون.
كلمة أخيرة
إن إعلان الرئيس السيسي أن عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاسته يفتح الباب أمام مرحلة ينبغي أن يكون عنوانها بناء المؤسسات، وترسيخ احترام الدستور، والاستعداد المسؤول للمستقبل.
فالرؤساء يرحلون، لكن الأوطان تبقى. والإنجاز الحقيقي لأي قائد لا يقتصر على ما يحققه خلال سنوات حكمه، بل يمتد إلى ما يتركه من مؤسسات قوية، وقواعد مستقرة، ودولة قادرة على مواصلة مسيرتها بعد رحيله.
الحكم في مصر لا يُورَّث، والدستور ليس وجهة نظر، ومصلحة الوطن لا ترتبط ببقاء شخص أو رحيله. مصر أكبر من الجميع، ومستقبلها يجب أن يحدده شعبها عبر مؤسساته الدستورية وإرادته الحرة.
حفظ الله مصر وشعبها، ووفق كل من يتولى مسؤولية قيادتها إلى ما فيه الخير والأمن والاستقرار والازدهار.
بسيوني أبوزيد















