الستر… خُلُقٌ مفقود في زمنٍ يعشق الفضائح

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

كان الإنسان إذا رأى أخاه يتعثر، مدَّ إليه يده لينهض.

أما اليوم، فقد يتعثر إنسان، فتمتد إليه عشرات الأيدي… لكنها لا تحمله، بل تحمل الهواتف لتصوّره.

وقد يقع شخص في لحظة ضعف، أو يخطئ في موقف عابر، أو تنكشف له خصوصية لم يكن يريد لأحد أن يراها؛ فلا يجد من يغطي عثرته، بل يجد عدسةً تلاحقه، وإصبعًا يضغط زر التسجيل، وآخر يضغط «إرسال»، ثم تبدأ رحلة لا يعرف أحد أين تنتهي.

وفي ساعات قليلة، يصبح خطأ إنسانٍ حديث مدينة، وربما حديث وطن.

وهنا يبرز سؤال مؤلم:

متى أصبح سقوط الآخرين متعةً للمشاهدة؟ ومتى تحولت عثرات البشر إلى محتوى؟

*الستر… خُلُق الأنقياء*

الستر ليس مجرد إخفاء خطأ عن أعين الناس، وإنما هو موقف أخلاقي عظيم يقوم على الرحمة؛ أن ترى ضعف إنسان فلا تستغله، وأن تعرف عنه ما يسيء إليه فلا تتاجر به، وأن تقع في يدك قصة تستطيع بها أن تهدم سمعته، فتتذكر أن له قلبًا وأسرةً وأبناءً وكرامة.

فالناس جميعًا أصحاب عيوب.

ولولا ستر الله علينا، لما استطاع كثير منا أن يرفع رأسه أمام الناس.

ولهذا قال رسول الله ﷺ:

«ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»
رواه مسلم.

يا لها من معاملة عظيمة بين العبد وربه: تستر عبدًا من عباد الله، فيعدك الله بالستر.

فمن منا لا يحتاج إلى ستر الله؟

من منا لم يخطئ يومًا؟

ومن منا يرضى أن تُجمع لحظات ضعفه كلها، ثم تُعرض على الملأ ليحاكمه الناس بها؟

القرآن يحارب صناعة الفضيحة

حين نقرأ قول الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾
[النور: 19]

ندرك أن القضية أعمق من مجرد ارتكاب الخطأ؛ فهناك أيضًا خطر إشاعة السوء وترويجه بين الناس.

إنها آية تجعلنا نقف أمام سلوكيات أصبحت اليوم عادية عند البعض: تصل إليه فضيحة فيرسلها، ويصل إليه مقطع محرج فيعيد نشره، ويسمع خبرًا عن إنسان فيقصه في المجلس، ثم يقول: «أنا لم أفعل شيئًا… أنا فقط نقلت ما وصلني».

لكن من الذي يصنع الانتشار؟

إنها تلك الـ «فقط» المتكررة آلاف المرات.

واحد صوّر.

وآخر نشر.

وثالث أعاد الإرسال.

ورابع علّق.

وخامس أضاف اسم الشخص ومكان عمله.

ثم يقول الجميع: أنا لم أبدأ.

وربما لم يبدأ أحد منهم الحريق، لكن كل واحد ألقى فيه عودًا.

حين تصبح الفضيحة تجارة

لقد تغير العالم.

في الماضي، كانت عثرة الإنسان ربما لا تتجاوز مجلسًا صغيرًا، ثم تموت بانتهاء الحديث.

أما اليوم، فالخطأ قد يعيش أطول من صاحبه.

صورة تُحفظ.

ومقطع يُنسخ.

ورسالة تُلتقط لها صورة شاشة.

ثم تنتقل من هاتف إلى آخر، ومن مجموعة إلى أخرى، ومن منصة إلى أخرى.

وقد يتوب صاحب الخطأ، ويصلح نفسه، ويبدأ حياةً جديدة، بينما يبقى ماضيه يدور في هواتف الناس.

وهنا تظهر قسوة لم يعرفها الإنسان بهذا الحجم من قبل:

أن يُحكم على حياة كاملة بلحظة واحدة.

والأشد ألمًا أن الفضائح أصبحت عند بعض الناس تجارةً للمشاهدات.

كلما كان المقطع أكثر إحراجًا، ازدادت المشاركات.

وكلما كانت القصة أكثر خصوصية، اشتعل الفضول.

وكلما سقط شخص معروف، تسابق البعض ليكون أول من ينشر الخبر.

كأننا لم نعد نسأل:

هل يجوز أن أنشر؟

بل أصبح السؤال:

هل سينتشر؟

وبين السؤالين مسافة أخلاقية هائلة.

ليس كل ما تستطيع نشره يحق لك نشره

امتلاكك للصورة لا يعني امتلاكك لكرامة صاحبها.

ووصول المقطع إلى هاتفك لا يمنحك حق توزيعه.

ومعرفتك بسرٍّ لا تعني أنك أصبحت مالكًا له.

وسماعك قصةً لا يجعلك شاهدًا على حقيقتها.

إن الإنسان قد يمتلك تقنيًا القدرة على أن ينشر شيئًا في ثوانٍ، لكنه يحتاج إلى أخلاق تمنعه من فعل كل ما يستطيع فعله.

فالحضارة ليست في الهاتف الذي تحمله، وإنما في الضمير الذي يحكم الإصبع قبل أن يضغط «نشر».

التشهير عقوبة قد تتجاوز الخطأ

لنتخيل شابًا أخطأ.

أو فتاةً زلت.

أو موظفًا فقد أعصابه في موقف.

أو رجلًا ظهر في حالة ضعف.

أو أسرةً وقع بينها خلاف.

هل كل هؤلاء يستحقون أن تتحول لحظة من حياتهم إلى هوية تلاحقهم؟

قد يكون للإنسان أمٌّ تشاهد.

وأب يتألم.

وزوجة تُجرح.

وأطفال يدخلون المدرسة فيُشار إليهم بسبب مقطع لم يفعلوا هم شيئًا فيه.

فحين تنشر فضيحة إنسان، قد لا تعاقبه وحده.

ربما تعاقب بيتًا كاملًا.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا قبل النشر:

لو كان هذا أخي، هل سأرسله؟

لو كانت أختي، هل سأضحك؟

لو كان ابني، هل سأكتب هذا التعليق؟

لو كان أبي، هل سأقبل أن يشاهده الآلاف في لحظة ضعف؟

إن كانت إجابتك لا، فقد عرفت الجواب.

ومن تتبع عورات الناس…

وقد جاء التحذير النبوي شديدًا من تتبع عورات المسلمين؛ ففي الحديث:

«لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم…»

ثم جاء الوعيد لمن جعل همه البحث عن عورات الآخرين وفضحها.

والفرق كبير بين أن يظهر أمامك خطأ فتستره وتنصح صاحبه، وبين أن تبحث عن الخطأ بحثًا.

وهذا هو المرض الأخطر.

أن يصبح الإنسان صياد عثرات.

يفتش في الصور القديمة.

ويبحث في الحسابات.

ويراقب الكلمات.

وينتظر الزلة.

فإذا وجدها، فرح بها كأنه وجد كنزًا.

ولكن أي كنز هذا الذي يُبنى على هدم إنسان؟

والشماتة… فضيحة أخرى

وليس النشر وحده هو المشكلة.

هناك من لا ينشر، لكنه يفرح.

يشاهد سقوط خصمه فيبتسم.

يسمع بمصيبة من اختلف معه فيقول: «يستاهل».

ويرى إنسانًا كان ناجحًا ثم تعثر، فيجد في قلبه لذةً خفية.

وهذه لحظة ينبغي أن يخاف فيها الإنسان من نفسه.

فأنت لا تعرف كيف تدور الأيام.

ولا تعرف أي أبواب الابتلاء تنتظرك.

ومن الحكمة ألا تشمت بمبتلى، وألا تجعل من مصائب الآخرين مناسبةً للاحتفال.

فالحياة دوارة، والإنسان أضعف مما يتصور.

لكن الستر ليس تسترًا

وهنا لا بد من وقفة مهمة جدًا.

الستر لا يعني إخفاء الجرائم.

ولا يعني السكوت عن اعتداء على طفل أو امرأة أو ضعيف.

ولا يعني حماية فاسد يعتدي على حقوق الناس.

ولا يعني إخفاء خطر يهدد المجتمع.

ولا يعني منع المظلوم من الشكوى وطلب حقه.

فالقرآن نفسه يقول:

﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾
[النساء: 148].

فالستر خُلُق، لكنه لا يلغي العدل.

ومن ارتكب جريمة يُبلَّغ عنه للجهة المختصة، لا أن تتحول جريمته إلى مادة للترفيه في مجموعات الهواتف.

ومن يشكل خطرًا يُوقف خطره، لا أن نسكت عنه بحجة الستر.

وهناك فرق هائل بين الإبلاغ للإصلاح والحماية وبين النشر للإذلال والتشهير.

الأول مسؤولية.

والثاني قد يكون ظلمًا جديدًا يضاف إلى الخطأ الأول.

انصحني… ولا تفضحني

إذا رأيت خطأ أخيك، فاقترب منه.

لا تذهب إلى الناس قبله.

قل له سرًا ما كنت ستقوله عنه علنًا.

خذ بيده بدل أن تشير إليه.

فالإنسان حين يخطئ يحتاج أحيانًا إلى من يعيده إلى الطريق، لا إلى من يغلق في وجهه كل طرق العودة.

والنصيحة التي تحفظ الكرامة أقرب إلى القلب من فضيحة تدّعي الإصلاح.

فليس الهدف أن يعرف الناس أنني كنت على حق، وإنما أن يعود المخطئ إلى الحق.

وما أبعد المسافة بين الاثنين.

قبل أن تضغط «إرسال»

توقف لحظة.

فقد تكون ضغطة إصبعك سببًا في دمعة أم.

أو انهيار أسرة.

أو فقدان وظيفة.

أو تنمر على طفل.

أو جرح يبقى في قلب إنسان سنوات.

اسأل نفسك:

هل في نشر هذا المقطع مصلحة حقيقية؟

هل أنا متأكد من القصة أصلًا؟

هل أقبل أن يفعل أحد هذا بي؟

هل سأقف بين يدي الله مطمئنًا إلى أنني شاركت في نشره؟

ثم تذكر:

ليس كل ما تعرفه يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يصل إليك يجب أن يخرج منك.

ربما أنت أيضًا تعيش بستر الله

قبل أن تفضح إنسانًا، انظر إلى نفسك.

كم خطأ ارتكبته ولم يره أحد؟

كم كلمة قلتها ثم ندمت عليها ولم يسجلها هاتف؟

كم موقفًا تتمنى لو مُحي من ذاكرتك؟

كم عيبًا تعرفه عن نفسك، ولو عرفه الناس لاستحييت منهم؟

ومع ذلك…

ما زلت تمشي بينهم مرفوع الرأس.

لماذا؟

لأن الله سترك.

فلا تكن ممن يعيش بستر الله، ثم يهتك ستر عباده.

هذه وحدها تكفي لأن تجعل الإنسان يتوقف طويلًا أمام زر «إرسال».

مجتمع يستر… لا مجتمع يبرر الخطأ

نحن لا نريد مجتمعًا يخفي الفساد.

ولا مجتمعًا يسكت عن الجريمة.

ولا مجتمعًا يبرر الأخطاء.

إنما نريد مجتمعًا يفرق بين الإصلاح والفضيحة.

ينصح المخطئ، ويحاسب المعتدي، وينصف المظلوم، ويحمي المجتمع، لكنه لا يتلذذ بإهانة الناس.

مجتمعًا إذا سقط فيه إنسان وجد يدًا ترفعه قبل أن يجد كاميرا تصوره.

وإذا أخطأ وجد نصيحة قبل أن يجد منشورًا.

وإذا تاب وجد بابًا يعود منه، لا أرشيفًا إلكترونيًا يطارده إلى آخر عمره.

الخاتمة… أغلق الكاميرا ومدَّ يدك

قد يأتي يوم تكون فيه أنت صاحب العثرة.

قد تقول كلمة في لحظة غضب.

قد تتخذ قرارًا خاطئًا.

قد تمر بلحظة ضعف لا تشبهك.

وقد تجد أمامك إنسانًا يعرف عنك ما لا تريد للعالم أن يعرفه.

في تلك اللحظة، ستعرف تمامًا قيمة الستر.

فازرع اليوم ما تتمنى أن تحصده غدًا.

واستر ما استطعت إلى الستر سبيلًا، وانصح حيث تنفع النصيحة، وأبلغ حيث يجب الإبلاغ، ولا تجعل من سقوط البشر وسيلةً للترفيه أو الشهرة.

وتذكر دائمًا:

ليس النبيل من لا يرى عيوب الناس؛ فالعيوب يراها الجميع.
النبيل هو من يرى العثرة، ويملك القدرة على فضحها… ثم يختار أن يمد يده بدل أن يفتح كاميرته.

فربما كانت أجمل صورة تلتقطها في حياتك…

هي تلك التي قررت ألّا تلتقطها.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24