الذكاء الاصطناعي… هل كشف زيف مشاعر الشعراء؟

بقلم :  منير راجي

كلما تحدّثتَ مع شاعر أو كاتب عن الذكاء الاصطناعي، سرعان ما تسمع الجملة نفسها: ( إنه لا يشعر، ولا يحس، ولا يعيش التجربة الإنسانية، ولذلك لا يمكن أن يكون شاعرا. )

لكن هل هذه الحجة كافية فعلا؟

أنا شخصيا لا أؤمن بها، خصوصا حين يتعلق الأمر بجزء كبير من الشعر الحديث والمعاصر. بل أعتقد أن ظهور الذكاء الاصطناعي وضع الشعراء أمام سؤال أكثر إحراجا: هل كل ما نسمّيه شعرا هو فعلا نتيجة شعور صادق وتجربة إنسانية حقيقية؟

الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن عددا كبيرا من الشعراء يكتبون دون أن تكون وراء نصوصهم تجربة حقيقية، أو إحساس عميق، أو انفعال صادق. إنهم يصنعون المشاعر بدل أن يعيشوها، ويبحثون عن الكلمات بدل أن يبحثوا عن الحقيقة التي تقف خلف الكلمات.

يبحثون عن القافية، عن الإيقاع، عن الصورة الشعرية، عن الاستعارة، عن الجملة التي تبدو جميلة ومؤثرة… ثم يضعون كل ذلك في قالب يسمونه شعرا.

فأين الإحساس هنا؟ وأين التجربة ؟

وأين الفرق الجوهري بين شاعر يصنع قصيدة عن الحب دون أن يكون عاشقا، وشاعر يصنع قصيدة عن الحزن دون أن يكون حزينا، وبين ذكاء اصطناعي يستطيع أن ينتج النص نفسه اعتمادا على ملايين النصوص التي تعلّم منها؟

إذا كان الشاعر يستطيع أن يحاكي المشاعر دون أن يشعر بها، فلماذا نعتبر محاكاة الذكاء الاصطناعي للمشاعر نقصا جوهريا؟

هنا تكمن المفارقة.

الذكاء الاصطناعي لم يقتل الشعر، ولم ينتزع من الشاعر إنسانيته؛ لكنه ربما كشف شيئا كان الشعراء يخفونه منذ زمن: أن جزءا من الشعر لم يكن قائمًا على الشعور أصلا، وإنما على الصناعة.

وعندما يصبح الشعر صناعة لغوية، تعتمد على الوزن والقافية والصورة والإيقاع وحسن اختيار المفردات، فإن الذكاء الاصطناعي يدخل المنافسة من الباب نفسه الذي دخل منه الشاعر.

بل قد يتفوق عليه في بعض هذه الأدوات.

أما الشعر الذي يولد من تجربة إنسانية حقيقية، من ألم عاشه صاحبه، أو حبّ غيّر حياته، أو فقدان ترك أثره في روحه، فهذه مسألة أخرى تماما. لكن السؤال هنا ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يشعر؟

السؤال الأكثر إزعاجا هو:

هل يشعر الشاعر فعلا بكل ما يكتبه؟

وربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نسأل الذكاء الاصطناعي عن مشاعره.

 منير راجي  _ وهران / الجزائر

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24