الاطار التنسيقي بين الخوف، والهوية، وإمكان السلام

د. سمير خليل الخفاف

تشكّل الحالة العراقية لحظةً تكشف التوترات العميقة داخل المجتمع، لا لأنها مجرد منافسة بين اطراف الاطار التنسيقي، بل لأنها مناسبة يعاد فيها تعريف سؤال جوهري: “من هو العراقي؟ وما حدود الدولة؟ ومن يملك الحق في الأرض والأمن والقرار؟ هل الاطار التنسيقي لوحده ام كل مكونات المجتمع العراقي”.

في هذه الأوقات الصعبة تتراجع القضايا اليومية أمام قضايا الهوية والخوف. ويتحول الأمن إلى محور الخطاب السياسي، ويُستدعى تاريخ منذ ٢٠٠٣ عمليات القتل والهجرة والاضطهاد والفساد لتكوين شعور جماعي بأن المجتمع يعيش دائمًا تحت التهديد. وفي المقابل، يستثمر الطائفين هذا الخوف لتبرير التشدد، وتوسيع التهجير، ورفض التنازلات، وتصوير أي دعوة إلى الحوار وكأنها ضعف أو خيانة.

هل يريد جميع الطائفين القضاء على اطياف المجتمع العراقي؟
لا يمكن القول إن جميع الشيعة يفكرون بالطريقة نفسها أو يريدون القضاء على أصحاب الأرض العراقيين. هذا التعميم، رغم أنه قد ينشأ من الألم والغضب أمام الجرائم، لكنه لا يصف الواقع بدقة، كما أنه يضع الأبرياء والمعارضين والمهمَّشين في خانة واحدة مع أصحاب سياسات القمع.

هناك طائفيون يؤيدون سياسات متطرفة، ويبررون القتل التهجير أو السيطرة الدائمة أو استخدام القوة بلا حدود. وهناك أيضًا بعض إخواننا الشيعة يحتجون على ممارسة الظلم، ويطالبون بوقف القتل، وينادون بإنهاء العنف والاعتراف بحقوق كل اطياف الشعب العراقي. وقد يختلف هؤلاء في تصورهم للحل، لكن وجودهم يثبت أن المكون الشيعي ليس عقلًا واحدًا ولا إرادة واحدة.

المشكلة ليست في الانتماء الديني بحد ذاته، بل في تحويل هذا الانتماء إلى “عقيدة تفوّق” تمنح جماعة حقًا مطلقًا وتسلب جماعة أخرى إنسانيتها. عندما يُنظر إلى المكونات العراقية الأخرى بوصفها خطرًا دائمًا لا إنسانًا له ذاكرة وحقوق وكرامة، يصبح القتل أسهل، ويصبح الظلم قابلًا للتبرير باسم الأمن أو التاريخ أو الوعد الديني.

وهم الأمن المطلق:
يعتقد الاطار التنسيقي أن الأمن يتحقق عبر القوة وحدها، وأن السيطرة العسكرية قادرة على إسكات المطالب السياسية للأخرين إلى الأبد. غير أن الأمن القائم على إخضاع شعب كامل ليس أمنًا مستقرًا، بل هدنة مسلحة قابلة للانفجار.
الأمن الحقيقي لا يقوم على تفوق طرف دائم، وإنما على نظام يضمن للجميع الحياة والكرامة والحرية والعدالة. لا يمكن بناء مستقبل آمن على حرمان العراقيين من حقوقهم.

هل السلام مستحيل في العراق؟
السلام ليس مستحيلًا، لكنه مستحيل ما دام يُفهم باعتباره استسلامًا من طرف واحد. السلام الحقيقي لا يعني إسكات الضحية، ولا مطالبة مكونات المجتمع العراقي بنسيان أرضهم وحقوقهم، إنه يحتاج إلى الاعتراف المتبادل بالإنسانية والحقوق والعدالة والمساواة، وإلى ترتيبات سياسية وقانونية تضمن المساواة والأمن والحرية.

قد يختلف الناس حول شكل الحل: دولة ديمقراطية واحدة، أو صيغة اتحادية أو كونفدرالية. لكن أي صيغة ستفشل إذا قامت على التفوق العرقي أو الديني، أو على إخضاع طرف دائمًا للطرف الآخر. لا يمكن أن يكون هناك سلام مستقر مع الطائفيه، ولا أمن مستدام مع الحصار، ولا مصالحة حقيقية مع الإفلات من العقاب.

يتحمل المجتمع الشيعي مسؤولية أخلاقية في مساءلة حكومته وأحزابه، وعدم السماح بأن تتحول المخاوف الأمنية إلى تفويض مفتوح للقتل والتهجير كما حدث لثوار تشرين. المجتمعات لا تُقاس فقط بما تفعله حكوماتها، بل أيضًا بقدرتها على مقاومة الظلم من داخلها وللأسف المجتمع العراقي دون الصفر.
إن أخطر ما يهدد المنطقة ليس اختلاف الشعوب، بل تحويل الاختلاف إلى كراهية مطلقة، وتحويل التاريخ إلى سلاح، والدين إلى ذريعة، والخوف إلى نظام حكم.
السلام بناء عدالة تعترف بالإنسان قبل هويته، وبالحق قبل القوة، وبالمستقبل قبل ثأر الماضي.

٢٠٢٦/١٠/٥

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24