إيران… مرجعية واحدة بأداتين

الدكتور ثائر العجيلي

السياسة الخارجية والأمن القومي في الجمهورية الإسلامية في ايران لا يصدران عن مؤسسة واحدة، بل عن منظومة متعددة الأدوات ذات مرجعية استراتيجية عليا. فالمرشد يحدد الإطار العام ويمسك بالقرار السيادي النهائي، والمجلس الأعلى للأمن القومي يدمج تقديرات الدولة والحكومة والعسكر والاستخبارات، ووزارة الخارجية تدير القناة الدبلوماسية الرسمية، بينما يحوّل الحرس الثوري وفيلق القدس جزءًا من الاستراتيجية إلى قوة وردع ونفوذ خارج الحدود.

ومن هنا فإن خصوصية النموذج الإيراني لا تكمن في وجود مؤسسات متوازية فحسب، بل في قدرة النظام على جعل هذه المؤسسات المختلفة تلتقي عند مركز حسم واحد. وهنا تكمن براعة هندسة النموذج المزدوج: تعدد الأدوات من دون تعدد المرجعية. وهذه إحدى أهم نقاط قوته المؤسسية، وهي، في الوقت نفسه، مصدر إحدى مشكلاته الكبرى؛ فكلما اتسع دور المؤسسات العقائدية والأمنية في السياسة الخارجية، تقلصت المساحة المستقلة للمؤسسات المنتخبة والدبلوماسية التقليدية.

في هذا النموذج، لا تعني وحدة السياسة وحدة الأداة، كما لا يعني تعدد المؤسسات تعدد الإرادة النهائية. فالدولة تستطيع أن توزع أدوارها بين الدبلوماسي والعسكري والأمني، ثم تعيد جمعها عند لحظة الحسم.

ومن هنا تصبح القوة الحقيقية ليست في كثرة المؤسسات ولا في مركزيتها المطلقة، بل في قدرتها على العمل المتوازي من دون أن تتحول إلى مراكز سيادة مستقلة. وهذه تحديدًا هي الحلقة التي يفتقدها نظام الحكم في بغداد، حيث تتعدد مراكز التأثير من دون أن تنتهي جميعها، بالضرورة، إلى مرجعية سيادية واحدة.

وهنا يكمن الفارق بين تعدد الأدوات وتعدد القرار: الأول قد يزيد قدرة الدولة على المناورة، أما الثاني فقد يهدد وحدة استراتيجيتها.

«إيران لا تمتلك سياستين خارجيتين؛ إنها تمتلك طريقتين رئيسيتين لتنفيذ سياسة استراتيجية واحدة: الدبلوماسية الرسمية، والقوة الثورية الموازية».

11 تشرين الاول / أكتوبر 2026

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24