إذا شعرت بآلام الآخرين… فأنت إنسان

د. رياض الدليمي

“إذا شعرت بالألم، فأنت على قيد الحياة، أما إذا شعرت بآلام الآخرين، فأنت إنسان.”

ليست هذه مجرد حكمة جميلة، بل هي وصف صادق لحال ملايين المغتربين الذين حملوا أوطانهم في قلوبهم قبل أن يحملوها في حقائبهم. ولطالما سألت نفسي: لماذا ما زلت أفكر بالعراق، بأهلي، وأصدقائي، وبمعاناة أبناء وطني، رغم أنني أعيش في المهجر، وأتمتع بعمل مستقر، ولدي طموحات وآفاق واسعة للمستقبل؟

قد يعتقد البعض أن الغربة مع مرور الزمن تخفف من تعلق الإنسان بوطنه، وأن النجاح الشخصي يعوض شيئًا من خساراته. لكن الواقع مختلف؛ فالوطن ليس مكانًا نغادره فحسب، بل هو ذاكرة وهوية وانتماء. قد يغيّر الإنسان عنوان سكنه، لكنه لا يستطيع أن يغيّر عنوان قلبه.

كلما حققت خطوة جديدة في حياتي، يخطر ببالي شاب عراقي حُرم من فرصة كان يستحقها بسبب الفساد، أو طالب متفوق اصطدم بسوء الإدارة، أو عائلة أنهكتها الأزمات والخوف وغياب أبسط مقومات الحياة الكريمة. لا لأنني أبحث عن الحزن، وإنما لأن الضمير لا يعترف بالمسافات.

لقد أرهقت العراق سنوات طويلة من الفساد، والسلاح الخارج عن سلطة الدولة، وسوء الإدارة، والصراعات التي دفعت ثمنها أجيال كاملة. ومع ذلك، لم يفقد العراقيون إيمانهم بوطنهم، ولا أملهم في أن يأتي يوم يستعيد فيه العراق مكانته التي يستحقها.

النجاح الحقيقي، في نظري، لا يقاس بما يحققه الإنسان لنفسه وحده، بل بما يتمناه لغيره أيضًا. لذلك، يبقى نجاحي في المهجر ناقصًا ما دام وطني يعاني. فالسعادة الشخصية لا تعفيني من مسؤوليتي الأخلاقية تجاه الأرض التي نشأت فيها، والناس الذين تقاسمت معهم البدايات والذكريات.

قد يسألني أحدهم: وماذا تغيّر مشاعرك؟ وأجيب بأن كل تغيير كبير بدأ بإحساس صادق. فكل مشروع إصلاح، وكل موقف شجاع، وكل كلمة حرة، كانت في بدايتها رفضًا للظلم، وإيمانًا بأن الواقع يمكن أن يتغير.

أنا لا أشتاق إلى العراق لأنه وطن الماضي فقط، بل لأنه وطن المستقبل الذي أحلم أن أراه آمنًا، مزدهرًا، وعزيزًا بين الأمم. وأؤمن بأن العراق يمتلك من الطاقات والعقول والثروات ما يؤهله ليكون في مصاف الدول المتقدمة، عندما تستعيد الدولة هيبتها، ويعلو سلطان القانون على السلاح والفساد، وتنتصر المصلحة الوطنية على كل ولاء أو مصلحة ضيقة.

لقد منحتني الغربة فرصًا ثمينة، وفتحت أمامي آفاقًا واسعة، لكنها لم تستطع أن تنتزع العراق من وجداني. فما زلت أفرح لكل خبر يبعث الأمل، وأحزن لكل ما يزيد من معاناة أهله، لأن الانتماء الحقيقي لا تقاس قيمته بالمسافات، بل بصدق المشاعر.

لهذا، عندما أفكر بالعراق وأنا بعيد عنه، لا أعد ذلك ضعفًا ولا تعلقًا بالماضي، بل أراه دليلًا على أن الإنسان يبقى وفيًا لجذوره مهما ابتعد. فمن يحمل هموم الناس في قلبه، لا يفقد إنسانيته، ومن يحمل وطنه في وجدانه، لا تغتاله الغربة مهما امتدت السنوات.

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24