إثيوبيا.. مأزق ارتداد الحسابات

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

في مقالنا السابق، المعنون “إثيوبيا.. حسابات الأمن والسياسة” ، قلنا إن إثيوبيا أصبحت جزءًا مباشرًا من معادلة أمن السودان، وإن الخرطوم لا تريد خصومة مع أديس أبابا، لكنها لن تقبل أن تُدار الحرب ضدها من جوارها. اليوم يبدو أن المعادلة أخذت اتجاهًا أكثر تعقيدًا ،فبينما تتسع التصدعات داخل إثيوبيا، وتتجدد التوترات في تيغراي وأمهرة وعفر وأقاليم أخرى، تظهر في المقابل حسابات أديس أبابا تجاه الحرب السودانية، وما إذا كانت رهانات الخارج بدأت ترتد على أمنها الداخلي.

إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو، تشكيل تحالف يستهدف الحكومة، لا يعني أن إثيوبيا تتجه إلى انهيار أو حرب أهلية، لكنه يكشف بيئة أمنية وسياسية قابلة للاحتمالات

والأهم أن بعض هذه القوى كانت تقاتل بعضها بعضًا في حرب تيغراي، قبل أن تجمعها اليوم مواجهة الحكومة المركزية. وهذه التحولات لا يمكن فصلها عن المحيط الإقليمي الذي تتحرك فيه إثيوبيا، بالنظر الي تقاطع أزمات الداخل مع صراعات الجوار ومصالح ونفوذ القوى الخارجية.

هنا يعود السودان إلى قلب المعادلة. فإن التقارير التي تحدثت عن استخدام أراضٍ إثيوبية في تدريب أو إسناد عناصر تتبع لقوات الدعم السريع، فإن المسألة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد ورقة في الحرب السودانية. فالدولة التي تسمح بتحويل حدودها إلى مساحة للحركة أو التدريب أو الإسناد لقوة مسلحة تقاتل دولة مجاورة، تدخل عمليًا في معادلة أمنية قد لا تستطيع التحكم في اتجاهاتها . فالحدود لا تعرف دائمًا الوظيفة، والجماعات المسلحة لا تلتزم بالضرورة بالحدود التي تتحرك داخلها.

وهنا تحديدًا يظهر “مأزق ارتداد الحسابات” . فقد يبدو إضعاف السودان، في حساب قصير المدى، وسيلة لتعزيز نفوذ إثيوبيا أو تعديل ميزان القوى، لكن السودان ليس الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فالخرطوم تمتلك بدورها أوراقًا سياسية وأمنية واقتصادية وجغرافية، ويمكنها ، إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية والدولية بما يغيّر البيئة التي تتحرك فيها أديس أبابا.

المسألة إذن ليست أن السودان يحتاج إثيوبيا أكثر مما تحتاجه إثيوبيا، ولا العكس. هذه قراءة سطحية للعلاقة. الحقيقة أن البلدين يمتلكان أوراق ومصالح، وأن العبث بأحدها يمكن أن يحولها من التعاون إلى الضغط.

أيضآ النيل الأزرق يقع ضمن هذه المعادلة ، فلا تستطيع إثيوبيا أن تقرأ أمن مياهها بمعزل عن السودان، ولا أن تفصل تطوراتها الداخلية عن استقرار محيطها. وسد النهضة، مهما بلغت أهميته، لا يمنح أمنًا مستدامًا إذا أُدير بمنطق القوة ، فالمياه التي تجمع البلدين يمكن أن تصبح مصدر توتر أو تتحول بالتعاون والاستثمار إلى مصلحة مشتركة واستقرار للإقليم.

ثم تأتي التجارة والجغرافيا الاقتصادية. فإثيوبيا دولة كبيرة بلا منفذ بحري، والسودان يملك ساحلًا على البحر الأحمر وميناء بورتسودان الذي يمثل منفذًا مهمًا لحركة التجارة والإمدادات الإثيوبية. وهذه ليست ميزة سودانية يمكن النظر إليها باعتبارها خدمة تقدمها الخرطوم لأديس أبابا، بل ورقة جغرافية واقتصادية ، تجعل استقرار العلاقة بين البلدين مصلحة مشتركة، كما تجعل سوء إدارة هذه العلاقة مكلفًا. وهنا ينبغي أن تصل الرسالة إلى أديس أبابا بوضوح، لا تختبروا حدود قدرة السودان على حماية مصالحه.

فالخرطوم لا تبحث عن خصومة مع إثيوبيا، لكنها أيضًا لن تقبل أن تتحول الأراضي الإثيوبية إلى منصة لإطالة الحرب السودانية أو دعم المليشيا المتمردة وداعميها. وإذا كانت إثيوبيا تعيد حساباتها في مواجهة الضغوط المتزايدة داخل حدودها، فإن منطق الدولة يقتضي منها أن تقلل مصادر التوتر على حدودها، لا أن تضيف إليها ملفًا سودانيًا قابلًا للتصعيد.

ومن الخطأ الاستراتيجي أن تراهن دولة على قوة مسلحة في دولة مجاورة بينما هي نفسها تواجه تعقيدات أمنية داخلية، لأن أدوات الحرب قد تتغير وظائفها، وقد تنتقل آثارها عبر الحدود في اتجاهات لم تكن محسوبة.

السودان في المقابل لا يحتاج إلى إدارة العلاقة مع إثيوبيا بمنطق القطيعة، وإنما بمنطق المصالح الواضحة والندية. أبواب التعاون في المياه والتجارة والطاقة والحدود ينبغي أن تظل مفتوحة، لكن ذلك لا يعني التساهل في ما يمس الأمن القومي. فالندية ليست خصومة، كما أن التعاون ليس تبعية.

والحكمة تقتضي أن تدرك أديس أبابا أن السودان يستطيع أن يؤثر في معادلاتها الداخلية ،كما تستطيع هي التأثير في بعض الملفات السودانية. ومن ثم فإن محاولة الضغط على الخرطوم عبر المليشيا أو الحرب قد تفتح على إديس أبابا أبوابًا للضغط، في العديد من الملفات أو العلاقات الإقليمية.

هذه ليست دعوة إلى استخدام تلك الملفات للضغط والابتزاز ، بل العكس تمامًا، إنها دعوة إلى إدراك خطورتها قبل أن تتحول إلى أدوات مواجهة. فالدول العاقلة لا تنتظر حتى تستخدم أوراق القوة كي تدرك قيمتها، وإنما تديرها بما يمنع الوصول إلى تلك المرحلة.

إن القرن الأفريقي لا يحتمل مزيدًا من الصراعات أو سياسة تحويل الجوار إلى ساحات نفوذ. وكلما تداخلت الحروب الداخلية مع صراعات الدول، أصبح من الصعب معرفة أين ينتهي نفوذ الدولة وأين يبدأ خطر المليشيا. وما قد يبدو مكسبًا تكتيكيًا اليوم قد يتحول غدًا إلى عبء استراتيجي.

لذلك، بحسب #وجه_الحقيقة، إضعاف السودان ليس ضمانًا لأمن إثيوبيا، بل رهانًا قد يرتد عليها. فالخرطوم لا تبحث عن صراع، لكنها تملك من أوراق الردع والتأثير ما يجعل استهدافها مكلفًا، ولن تقبل أن تُدار الحرب ضدها من جوارها. السودان ليس الحلقة الأضعف، وأوراق القوة بين البلدين متبادلة. وما قد يبدو مكسبًا تكتيكيًا لإثيوبيا اليوم، قد يتحول غدًا إلى مأزق استراتيجي عليها.
دمتم بخير وعافية.
السبت 26 سبتمبر 2026م. Shglawi55@gmail.com

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24