ألقاب بلا رصيد.. حين يتقدم الكلام على الإنجاز فيدفع الإبداع الثمن

بقلم: كمال فليج

في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تُوزَّع أحيانًا بلا حساب، لم تعد الألقاب حكرًا على أصحاب الإنجازات، ولا التقدير مرهونًا بما يقدمه الإنسان من عطاء، بل باتت عبارات من قبيل المفكر الكبير، الكاتب المبدع، القامة الثقافية، عميد الأدب، الأستاذ القدير، الشخصية الاستثنائية تُمنح بسهولة، حتى لمن لم يراكم من التجربة ما يؤهله لها.

المشكلة ليست في المدح بحد ذاته، فالإنسان بطبيعته يحب التقدير، والمجتمعات تحتاج إلى الاعتراف بأهل الإبداع والعطاء. لكن حين يتحول المدح إلى مجاملة مجانية، وتصبح الألقاب وسيلة للتقرب وصناعة النفوذ، فإن الأمر يتجاوز حدود المجاملة ليصل إلى التملق.

اللقب الحقيقي لا يُمنح بالكلمات، وإنما تصنعه السنوات والتجربة والإنجاز. فالكاتب لا يصبح كبيرًا لأن أحدهم كتب قبله عبارة “الكاتب الكبير”، والمفكر لا يصبح مفكرًا بمجرد أن يُقدَّم في أمسية بهذه الصفة، والشاعر لا ترفعه الألقاب بقدر ما ترفعه قصيدته.

لقد كانت الألقاب في الثقافة العربية القديمة مرتبطة بمسار طويل من العطاء والتميز، وكان الاعتراف بالمكانة يأتي بعد تراكم التجربة والإنتاج والتأثير. أما اليوم، فقد يحدث العكس أحيانًا: يُمنح اللقب أولًا، ثم يبحث صاحبه عن الإنجاز الذي يبرره.

وهنا تكمن الخطورة.

فحين يصبح كل شخص “قامة”، وكل نص “تحفة”، وكل إصدار “حدثًا أدبيًا”، وكل مشاركة “إنجازًا تاريخيًا”، تختلط المعايير، ويتراجع الفرق بين المبدع الحقيقي ومن يبحث عن الاعتراف من خلال الألقاب.

التملق ليس مجرد كلمات جميلة، بل هو في جوهره مدح يتجاوز الحقيقة بحثًا عن مصلحة أو رضى أو مكانة.

وقد يكون المتملق شاعرًا، أو كاتبًا، أو إعلاميًا، أو مسؤولًا، أو حتى مثقفًا؛ يستخدم اللغة لا للتعبير عن الحقيقة، وإنما لصناعة صورة أكبر من الواقع.

والأخطر أن التملق حين يدخل الوسط الثقافي، يصبح أكثر خطورة؛ لأن الثقافة يفترض أن تكون مساحة للنقد والسؤال والمراجعة، لا سوقًا لتبادل المجاملات.

فهذا يرفع ذاك، وذاك يمنح الآخر لقبًا، ثم يتبادلان الثناء، حتى تنشأ دائرة مغلقة يصبح فيها النقد إساءة، والملاحظة حسدًا، والاختلاف عداوة.

وهكذا تتحول الساحة الثقافية من فضاء للتنافس في الإبداع إلى فضاء للتنافس في الألقاب.

ليس من العيب أن نقول عن كاتب إنه مبدع إذا كان إنتاجه يبرر ذلك، ولا أن نصف شاعرًا بالكبير إذا أثبتت تجربته ذلك. المشكلة تبدأ عندما يصبح اللقب سابقًا على الإنجاز.

فما الذي يعنيه أن نصف شابًا بدأ الكتابة حديثًا بأنه “قامة أدبية كبيرة”؟

وما الذي نضيفه إلى شاعر إذا منحناه لقب “عميد الشعر” دون أن يكون لتجربته ما يبرر هذا الوصف؟

وماذا يبقى من معنى “المفكر” عندما يصبح كل من كتب مقالة أو أصدر كتابًا مفكرًا؟

الإفراط في استخدام الألقاب لا يرفع قيمة الأشخاص، بل يخفض قيمة اللقب نفسه.

وعندما يصبح “الكبير” كثيرًا، يفقد وصف “الكبير” معناه.

ربما تكون المشكلة الأعمق أننا بدأنا نخاف من النقد.

أصبح البعض يعتقد أن من ينتقد عمله ينتقد شخصه، ومن يختلف معه يحاربه، ومن لا يصفق له لا يحترمه.

والنتيجة أن كثيرًا من المجالس الثقافية أصبحت مليئة بالثناء، لكنها فقيرة في النقاش الحقيقي.

نسمع عبارات الإشادة أكثر مما نسمع الأسئلة.

نحتفي بالإصدارات أكثر مما نناقش مضمونها.

نرفع الأشخاص أكثر مما نقرأ أعمالهم.

وقد يصل الأمر إلى أن يتحول إطلاق الألقاب إلى نوع من الاستثمار الاجتماعي؛ فكل لقب يمنح اليوم قد يكون مدخلًا للحصول على لقب آخر غدًا.

من الضروري أن نعيد الاعتبار إلى ثقافة النقد.

النقد الحقيقي ليس تشويهًا، كما أن الملاحظة ليست إساءة، والاختلاف ليس خصومة.

المثقف الذي يكتب يجب أن يكون مستعدًا لسماع الرأي الآخر، والكاتب الذي ينشر عمله عليه أن يقبل أن يُناقش، والشاعر الذي يقدم نصه للجمهور لا يمكن أن يطلب التصفيق فقط.

فالإبداع الذي لا يحتمل السؤال إبداع هش، والشخصية التي لا تقبل النقد تحتاج إلى مراجعة علاقتها بالشهرة أكثر من حاجتها إلى المزيد من الألقاب.

التاريخ الثقافي لا يحتفظ بمن حصل على أكبر عدد من الألقاب، وإنما بمن ترك أثرًا حقيقيًا.

كم من أسماء لم تكن تبحث عن الأضواء، لكنها بقيت في الذاكرة؟

وكم من أشخاص ملأت صورهم الصفحات، وتكاثرت حولهم عبارات الإشادة، ثم اختفت أسماؤهم بمجرد انتهاء المناسبة؟

الزمن هو الحكم الأكثر عدلًا.

فالعمل الجيد يبقى، والنص القوي يبقى، والفكرة الأصيلة تبقى، أما الألقاب المصطنعة فسرعان ما يسقط عنها بريقها.

لا أحد يطالب بإلغاء التكريم أو منع الثناء، بل المطلوب هو إعادة الاعتبار للمعايير.

لنقل للكاتب: “كاتب” حتى يثبت إنتاجه أنه أكثر من ذلك.

ولنقل للشاعر: “شاعر” ونترك للقصيدة مهمة إثبات مكانته.

ولنمنح المفكر صفة المفكر بعد أن نقرأ أفكاره ونختبر أثرها.

ولنكرّم المبدع لأن إبداعه يستحق، لا لأننا نريد استرضاءه.

إن احترام المبدعين الحقيقيين يبدأ من عدم مساواتهم بمن لم يقدموا شيئًا بعد.

فحين نمنح اللقب للجميع، نظلم من يستحقه.

في الاخير ليس التواضع أن نرفض الثناء، كما أن الحكمة ليست في منع المدح، وإنما في أن نضع لكل كلمة وزنها.

فاللقب مسؤولية، والصفة شهادة، والمدح موقف أخلاقي قبل أن يكون مجاملة.

لذلك، ربما نحتاج اليوم إلى قليل من الكلام، وكثير من العمل.

قليل من “الكبير”، وشيء كثير من الإنجاز.

قليل من “القامة”، وكثير من الإبداع.

قليل من التصفيق، وكثير من النقد البناء.

فالألقاب المجانية قد تصنع ضجيجًا حول الإنسان، لكنها لا تصنع له قيمة.

أما القيمة الحقيقية، فلا تحتاج إلى من يعلن عنها كل يوم؛ لأن العمل الجاد، وحده، يعرف كيف يتحدث عن صاحبه.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24