كان رمضان بالأمس مدرسةً للروح، وموعدًا ثابتًا مع البساطة والسكينة. كانت البيوت تتشابه في دفئها، والقلوب تتقارب دون تكلف. يجتمع أفراد الأسرة حول مائدة متواضعة، لكنّها عامرة بالمحبة. لا ضجيج يُشتّت، ولا شاشات تسرق اللحظات. كان صوت المؤذن كافيًا ليعلن بداية فرحٍ يومي، وكانت التراويح لقاءً صادقًا بين العبد وربّه، لا يقطعه إشعارٌ ولا ينشغل عنه فكر.
في الأمس، كان الجار يعرف جاره، ويطرق بابه حاملاً طبقًا من طعام، في مشهدٍ تختلط فيه القيم بالعادات. كانت الزيارات عفوية، واللمة صادقة، والحديث ممتدًا حتى السحور، حيث تتجلى روح الجماعة بأبهى صورها.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد. تسارعت الحياة، وتسلّلت التكنولوجيا إلى تفاصيل الشهر الكريم. صارت الموائد أكثر تنوعًا، لكنها أحيانًا تفتقد تلك الروح التي كانت تجمع القلوب قبل الأطباق. انشغل البعض بالشاشات، وتفرّق الجمع في نفس المكان. أصبحت الليالي الرمضانية أقصر إحساسًا، رغم طولها، وأثقل حضورًا رغم خفتها.
ورغم هذا التغيّر، يبقى رمضان هو ذاته في جوهره؛ شهر الرحمة والمغفرة، شهر العودة إلى الذات، وفرصة لإعادة ترتيب الأولويات. ليس الزمن هو الذي تغيّر وحده، بل نحن أيضًا.
ما بين الأمس واليوم، يظل السؤال قائمًا:
هل فقد رمضان شيئًا من روحه، أم أننا نحن من ابتعدنا عنها؟
رمضان لا يتغيّر… نحن من نحتاج أن نعود إليه.


