مقالات

المنطقة في مواجهة مرحلة تكسير العظام

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

نحاول في مقالنا هذا تقديم رؤية تحليلية للسيناريوهات المعمقة لمستقبل المنطقة الضبابي في ظل الاحتمالات المتباينة لاسيما في ما يسمى ايران والموقف الأمريكي البريطاني المريب تجاه كل ذلك؟!
منطقة الشرق الأوسط تمر اليوم على حافة تحول تاريخي قد يعيد رسم الخرائط التي استقرت منذ قرن من الزمان. لم يعد الصراع في ما يُعرف بإيران ((الذي اسست امريكا وبريطانيا وفرنسا النظام الشيعي الطائفي فيه  ووضعوا الخميني على رأسه ))وما يحدث لحد الان في اماكن سكن القوميات الستة او السبعة داخل الكيان المصطنع “”مايسمى ايران “” مجرد احتجاجات على سياسات اقتصادية أو قيود اجتماعية او قمع للحريات بل انتقل إلى مستوى “البنية التحتية” للدولة حيث بدأت القوميات (كالأكراد والبلوش الآذريون وعرب الأحواز وغيرهم ) تتحرك وفق استراتيجية تهدف إلى محاولة فرض تقرير المصير. هذا الحراك يضع العالم أمام معضلة كبرى ربما لا يخدم مصالح الدول الإمبريالية والسؤال الذي يبحث عن اجابات واضحة هل نحن أمام ولادة عدد من الدول الجديدة أم نحن أمام فوضى دموية ستجرف المنطقة بأكملها؟

تصدع الموزاييك: القوميات والمطالبة بالاستقلال
إيران ليست دولة تضم قوميات عديدة بالمعنى التقليدي بل هي نظام مفروض من الخارج يحكم الشعوب  بقبضة مركزية حديدية. اليوم تعيش هذه القوميات حالة من “الانفجار الوجداني”؛ فالأكراد في الغرب يحلمون بتواصل قومي يتجاوز الحدود مع الأكراد في جنوب تركيا والبلوش في الشرق يواجهون تهميشاً دفعهم نحو عسكرة مطالبهم أما العرب في الأحواز فإن شريان الحياة الاقتصادي والموقع الاستراتيجي الذي منح لإيران والنفط والماء كله يقع في قلب منطقة تطالب بالاستقلال او الوحدة مع الأصل العراق ناهيك عن المطالبة بالعدالة التاريخية.
ان بداية الفوضى بين هذه القوميات تعني أن “المركز الفرس “في طهران سيفقد قدرته على السيطرة مما يحول الخارطة بما يعرف بالجمهورية الإيرانية إلى بؤر نزاع مسلح. هذا السيناريو ليس مجرد أزمة داخلية !!! بل هو قنبلة موقوتة وصاعق تفجير إقليمي سيمتد أثره إلى العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان حيث تتداخل هذه القوميات عبر الحدود.

الموقف الأمريكي: “الاستثمار في الضعف” لا في التغيير
خلافاً للتوقعات الشعبية التي تنتظر تدخلاً أمريكياً لدعم الشعوب الإيرانية تتبنى واشنطن ومن خلفها لندن (صاحبة الخبرات بهذه المنطقة) سياسة “الغموض الاستراتيجي”. فالموقف الأمريكي الحالي يبتعد عن فكرة “إسقاط النظام” عسكرياً أو دعم حركات الاستقلال بشكل صريح.
السبب يكمن في عقيدة “إدارة الفوضى”
حيث تخشى واشنطن أن يؤدي سقوط النظام المفاجئ إلى بروز دويلات عرقية متناحرة وقد تمتلك أسلحة متطورة أو وقوع المنشآت النووية في يد جماعات لا يمكن التنبؤ بسلوكها. لذا !!!! فإن السياسة الأمريكية تتجه نحو استنزاف النظام وإبقائه ضعيفاً ومنشغلاً بجراحه الداخلية …بدلاً من استبداله ببديل مجهول قد يكون أكثر راديكالية أو يؤدي إلى موجات نزوح وتطرف تفوق ما حدث في “الربيع العربي” وهذا ماتحدثنا عنه منذ اكثر من ثلاثة عقود؟!

المصلحة من الإبقاء على النظام: “البعبع” الضروري
قد يبدو من الغريب القول إن الغرب يجد مصلحته  في بقاء نظام الملالي اكثر من تغييره ولغة المصالح الجيوسياسية تقول ذلك وتؤكده بوضوح. فنظام ضعيف في إيران ومنبوذ ومحاصر هو النظام المثالي للقوى الكبرى للأسباب التالية :
1. توازن الرعب فبقاء هذا النظام في إيران كتهديد إقليمي يبرر صفقات السلاح المليارية لدول الخليج العربي ويضمن الوجود العسكري الأمريكي والبريطاني تحت الطاولة المستدام في المنطقة.
2. استنزاف القوى الإقليمية لان انشغال الدول العربية بمواجهة التمدد الإيراني يستنزف طاقاتها الاقتصادية والبشرية ويجعلها في حالة احتياج دائم للحماية الغربية.
3.منع “البلقنة” فهتفتت إيران إلى خمس أو ست دول قومية يعني نشوء كيانات جديدة قد تتحالف مع الصين أو روسيا وهو كابوس استراتيجي لواشنطن تفضل بدلاً منه التعامل مع “عدو واحد معروف” يمكن احتواؤه.

انعكاسات “الفوضى المنظمة” على الشرق الأوسط
إذا ما استمرت حالة “اللا حرب واللا سلم” وبدأت القوميات في إيران بالتمرد المسلح فإن الشرق الأوسط سيواجه تداعيات خطيرة مثل :-
١-عسكرة الحدود حيث ستتحول الحدود العراقية والتركية مع إيران إلى مناطق ساخنة ومسرحاً لعمليات “مكافحة تمرد” عابرة للحدود مما ينهك سيادة هذه الدول.
٢-انفجار الهويات فحراك القوميات في إيران سيحفز حركات مماثلة في المنطقة مما قد يفتح شهية القوميات في دول الجوار ( في تركيا الحليف الاهم في المنطقة لأمريكا ) للمطالبة بإعادة رسم الحدود وهو ما يعني “سايكس بيكو” ثانية مكتوبة بالدم.
٣-حروب الوكالة ربما قد تلجأ طهران لتصدير أزمتها عبر تحريك أذرعها في لبنان واليمن والعراق بشكل أكثر عدوانية كمحاولة لابتزاز المجتمع الدولي والمقايضة باستقرار المنطقة مقابل بقاء النظام.

العراق: الضحية الأولى أم الرابح الأكبر؟
في ظل الفوضى القومية الإيرانية يجد العراق نفسه في وضع حرج. من جهة سيؤدي ضعف المركز في طهران إلى ارتباك حلفائه في بغداد (الإطار التنسيقي وفصائله) !!! مما قد يفتح باباً للتغيير الوطني داخل العراق. ومن جهة أخرى فإن أي انهيار أمني في مناطق “كردستان إيران” أو “الأحواز” سيفيض فوراً داخل الأراضي العراقية.
الخطر الأكبر هو أن تحاول واشنطن استخدام العراق كساحة انتظار أو مخيم للاجئين والهاربين من جحيم الصراع القومي الإيراني مما يزيد من أعباء الدولة العراقية المنهكة أصلاً.

الموت البطيء مقابل الانفجار الكبير
تُجمع الدوائر الاستخباراتية على أن الغرب لا يريد “إيران ديمقراطية وقوية”ولا يريد “إيران مفككة وغارقة في الفوضى”بل يريد إيران المشلولة والنظام الحالي بتركيبته الثيوقراطية المتطرفة يوفر المبرر المثالي لعزل إيران ومنعها من أن تصبح قوة اقتصادية منافسة.
إن تطلعات الشعوب داخل مايسمى بالجمهورية الإيرانية نحو الاستقلال والحرية تصطدم اليوم وغدا وبعده بجدار المصالح الدولية التي تفضل بقاء “الجلاد” ضعيفاً على رحيله الذي قد يهدم المعبد على رؤوس الجميع. وتأسيسا على ذلك نتوقع أن يشهد الشرق الأوسط سنوات من “الاستنزاف المتبادل”حيث تتصارع القوميات داخل إيران ويقمعها النظام ؟! بينما يكتفي العالم بالمراقبة وإدارة منسوب العنف بما لا يضر بتدفق النفط أو أمن إسرائيل.
إنها مرحلة “تكسير العظام” التي سيكون فيها العراق والمنطقة المحيطة بإيران هم الرهائن في لعبة شطرنج دولية كبرى لا مكان فيها للعواطف أو حقوق الشعوب بل للخرائط الموضوعة سلفا التي تخدم القوى العظمى وإسرائيل فقط.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى