منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، شهد العالم تحولًا واضحًا في السياسة التجارية للولايات المتحدة. فبدلًا من الاعتماد على الاتفاقيات متعددة الأطراف والتعاون الاقتصادي، تبنّت إدارة ترامب نهجًا يقوم على استخدام التعريفات الجمركية كسلاح سياسي للضغط على الشركاء التجاريين، سواء كانوا خصومًا مثل الصين أو حلفاء تقليديين مثل الاتحاد الأوروبي. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير اقتصادي، بل مثّل إعادة صياغة للعلاقات الدولية وأثار مخاوف واسعة بشأن مستقبل التجارة العالمية.
لقد تحوّلت التعريفات الجمركية من أدوات اقتصادية إلى سلاح سياسي.
تقليديًا، تستخدم الدول التعريفات الجمركية لحماية الصناعات المحلية أو لمعالجة اختلالات تجارية محدودة. لكن في عهد ترامب، تحولت هذه الأداة إلى وسيلة ضغط سياسي مباشرة، أُستخدمت لتحقيق أهداف تتجاوز الاقتصاد، مثل:
إجبار الدول على إعادة التفاوض حول اتفاقيات تجارية.
الضغط في ملفات سياسية وأمنية.
فرض شروط أمريكية في قضايا الهجرة والطاقة والدفاع.
هذا النهج جعل من السياسة التجارية أداة مساومة دائمة، لا تخضع لقواعد مستقرة. وكما يعلم الجميع، فإن البيئة المستقرة شرط أساسي للانتعاش الاقتصادي؛ فالاستثمار يحتاج إلى قوانين واضحة ومدعومة، واستقرار سياسي، وسياسات اقتصادية متوقعة، وهذا ما يعزز ثقة المستثمرين بالأسواق الدولية.
لقد طالت تهديدات ترامب الاقتصادية الحليف الأقدم والأقرب، الاتحاد الأوروبي، الذي لم يكن بمنأى عن هذه التهديدات. فقد لوّح مرارًا بفرض تعريفات جمركية مرتفعة على السيارات الأوروبية، والحديد، والألمنيوم، وبعض المنتجات الزراعية. وبرر ذلك بحجّة “العجز التجاري” و”حماية الصناعة الأمريكية”.
لكن الواقع أظهر أن هذه التهديدات استُخدمت للضغط على أوروبا في قضايا أوسع، منها زيادة الإنفاق الدفاعي داخل حلف الناتو، والتأثير على السياسات الاقتصادية والصناعية، مثل رفع معدلات الاستثمار إلى 600 مليار دولار، والتبادل التجاري إلى 750 مليار دولار، وتحديدًا في سوق الطاقة. وآخر هذه الضغوط كان ملف غرينلاند.
لقد أزعج موقف الاتحاد الأوروبي الداعم لسيادة الدنمارك وحقها في الحفاظ على أراضيها في جزيرة غرينلاند ترامب، الذي كان يُظهر اهتمامًا بارزًا بموقع غرينلاند الاستراتيجي ومواردها، ما دفعه إلى استخدام التهديدات التجارية كسلاح ضغط.
لم تقتصر التهديدات على أوروبا، بل شملت دولًا أخرى مثل الصين، وكندا، والمكسيك، ودولًا آسيوية وحتى بعض الدول النامية. في كثير من الحالات، استُخدمت التعريفات كوسيلة لفرض تنازلات سياسية، مما عزز فكرة أن التجارة لم تعد منفصلة عن السياسة، وأن الأسباب الاقتصادية كانت دائمًا الدافع الخفي وراء الحروب والصراعات.
تآكلت الثقة لدى النخب السياسية والرأي العام في أوروبا تجاه الولايات المتحدة، مما يشير إلى تحوّل تدريجي في إدراك طبيعة الشراكة عبر الأطلسي. وهذا التحوّل قد يترتب عليه آثار بنيوية غير متوقعة على تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو) على المدى الطويل. وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية في حال توجه الاتحاد الأوروبي نحو تبني مقاربات ردعية مقابلة، من بينها الاستخدام المحتمل للأدوات المالية، ولا سيما حيازاته من سندات الخزانة الأمريكية، في سياق الضغط السياسي والاقتصادي.
تأثير الحروب التجارية على الاقتصاد العالمي
السياسات المتطرفة وغير الموزونة قد تؤدي إلى نتائج خطيرة، منها:
اضطراب سلاسل التوريد العالمية.
ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار التي سيتحملها المستهلك في جميع أنحاء العالم.
تراجع ثقة المستثمرين في الأسواق، مما يساهم في تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
تقويض نظام التجارة الدولية القائم على القواعد، وفتح الباب أمام عالم أكثر فوضوية وأقل تعاونًا.
ويطرح السؤال: هل ستنجح سياسة ترامب في الضغط على الدول؟ رغم أن إدارته حققت بعض المكاسب التفاوضية قصيرة الأجل، إلا أن الكلفة كانت مرتفعة على المستهلك الأمريكي الذي تحمّل أسعارًا أعلى، كما واجهت الشركات بيئة غير مستقرة، وفقد الحلفاء ثقتهم في القيادة الأمريكية. وهذا يثير تساؤلًا جوهريًا حول استدامة وجدوى هذا النهج على المدى الطويل.
لقد أظهرت تجربة ترامب أن التعريفات الجمركية لم تعد مجرد أدوات اقتصادية، بل أصبحت وسائل ضغط سياسي تُستخدم لإعادة تشكيل العلاقات الدولية. ورغم ما قد تحققه من مكاسب آنية، فإنها تهدد استقرار النظام التجاري العالمي، وتزيد من الانقسامات، وتضعف فرص التعاون الدولي في عالم يواجه تحديات اقتصادية مشتركة.



