
في عالمٍ تتزاحم فيه الضغوط وتتسارع فيه وتيرة الحياة لم تعد الإيجابية ترفًا فكريًا أو دعوة مثالية، بل غدت طريق نجاة للإنسان من الاستسلام، ووسيلة حقيقية لصناعة الأمل وسط واقعٍ مثقل بالتحديات، فالإيجابية ليست إنكارًا للألم، ولا تجاهلًا للصعوبات، بل وعيًا عميقًا بكيفية التعامل معها دون أن نفقد توازننا أو إيماننا بالحياة.
فالإيجابية، في جوهرها نعمة من الله عزّ وجلّ، وهبة ربانية متى ما تمسّك بها الإنسان؛ انفتحت له أبواب الطمأنينة والفلاح. وقد حثّنا الإسلام على التفاؤل وحسن الظن بالله، وجعل من الأمل رفيقًا للصبر، ومن العمل سبيلًا للنجاة، فحين تغيب الإيجابية عن حياة الإنسان؛ يضيق الأفق، وتفقد الأيام معناها، وتتحول المعاناة إلى عبء يثقل الروح.
ولا شك أن اليأس طريق سهل، والإحباط أكثر المشاعر قدرة على التسلل إلى النفس في لحظات الضعف؛ فالإنسان بطبيعته يعتريه الهمّ والغمّ، ويُبتلى في صحته ورزقه وأحواله، وقد تغلبه النظرة السلبية للحياة. كما أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مرور هذه المشاعر، بل في الاستسلام لها وتركها تقود مصيرنا
كثيرًا ما نسمع من يردد: والحقيقة أن الإيجابية ليست كلمات تُقال، بل مهارة تُكتسب حيث تبدأ من الفكر وتنتهي بالسلوك، فهي مزيج واعٍ من طريقة تفكير متزنة وتصرفات مدروسة، وكلتاهما قابلتان للتغيير والتطوير.
فالإنسان يعيش الحياة كما يراها بعقله، لا كما هي في حقيقتها. وإذا ظل يكرّر الأفكار ذاتها، فلن يحصد سوى النتائج ذاتها.
أما حين يغيّر طريقة تفكيره، فإنه يفتح لنفسه مساحات جديدة للفهم والعمل. فهناك عبارات بسيطة مثل أنا أستطيع، الأمر ممكن، سأحاول لكنها قادرة على إعادة بناء الثقة، ومنح النفس طاقة تدفعها إلى الأمام.
فالإيجابية لا تعني تجاهل النقص أو إنكار الألم، بل تعني إدراكه دون تضخيمه، والبحث عن الجانب المضيء في كل تجربة، حتى في أقسى المواقف. فكل عثرة تحمل درسًا، وكل تجربة صعبة تترك أثرًا يصقل الشخصية ويمنحها عمقًا أكبر.
كما أن التركيز على ما نريده، لا على ما نخافه، والبحث عن الفرص بدل التعلّق بالعوائق، يغيّر طريقة تعاملنا مع الحياة. وحين يقترن التفكير الإيجابي بتصرف إيجابي، تتغيّر النتائج، وتختلف ردود الأفعال، ويقترب الإنسان خطوة أخرى من السلام الداخلي والنجاح.
في النهاية، تبقى الإيجابية خيارًا واعيًا وشجاعة داخلية، لا يلغي الألم، لكنه يمنحه معنى، ولا يختصر الطريق، لكنه يجعل السير فيه ممكنًا ،و لكنها طريق النجاة حين تضيق السبل، وصناعة الأمل حين يظن البعض أن الأبواب قد أُغلقت.
فبالإيجابية نحيا، وبها نواجه، ومنها نصنع الأمل مهما اشتدت العواصف.



