
من المهم التوضيح أولاً أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي تم اعتقاله رغم انه كان يمارس مهامه كرئيس لفنزويلا من العاصمة كاراكاس.وهناك “مذكرات اعتقال” وملاحقات قضائية دولية صدرت بحقه وهي :-
1. مذكرة الاعتقال الأرجنتينية (سبتمبر 2024) …(وقطعا صدرت المذكرة بتوجيه أمريكي ) ؟! في أواخر سبتمبر 2024 أمرت محكمة أرجنتينية في بوينس آيرس بالقبض على نيكولاس مادورو ووزير داخليته ديوسدادو كابيلو بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية والسبب ان القضاء الأرجنتيني استند إلى مبدأ “الولاية القضائية العالمية” الذي يسمح بمقاضاة الجرائم الخطيرة ضد حقوق الإنسان بغض النظر عن مكان وقوعها.
والهدف هو طلب المحكمة من الإنتربول (الشرطة الدولية) إصدار “نشرة حمراء” لاعتقالهما.
2. اتهامات الولايات المتحدة في (مارس 2020) أعلنت وزارة العدل الأمريكية في عام 2020 عن توجيه اتهامات لمادورو وعدد من كبار المسؤولين في نظامه بتهمة الإرهاب المرتبط بالمخدرات (Narco-terrorism).
وعرضت الولايات المتحدة مكافأة تصل إلى 15 مليون دولارمقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله أو إدانته حيث تتهمه واشنطن بالتآمر مع جماعات متمردة كولومبية (مثل منظمة فارك) لإغراق الولايات المتحدة بالكوكايين.
(في حين كانت المخابرات الأمريكية تدعم وتمول منظمات شبيهة وفقا لمصالحها) ؟!
3. تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية
تخضع الحكومة الفنزويلية بقيادة مادورو للتحقيق من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة قمع المتظاهرين وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان منذ عام 2017. ورغم أن المحكمة لم تصدر مذكرة اعتقال رسمية حتى الآن ؟؟!! إلا أن القضية لا تزال قائمة.بما يؤكد ان امريكا العظمى تتحرك وفقا لمصالحها اولا واخيراً؟!
4. السياق السياسي الحالي (انتخابات 2024) فبعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في يوليو 2024 اندلعت أزمة كبير عندما أعلن مادورو فوزه بولاية ثالثة لكن المعارضة والعديد من الدول (بما فيها الولايات المتحدة ودول لاتينية) شككت في النتائج وقالت إن مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس هو الفائز الحقيقي.في المقابل، أصدر القضاء الفنزويلي (الموالي لمادورو) مذكرة اعتقال بحق مرشح المعارضة غونزاليس ؟! مما اضطره للجوء إلى إسبانيا (رغم ان أمريكا تعلم علم اليقين ان كل الانتخابات التي تجري بالعراق المحتل تشوبها الشكوك والتزوير !)ولا تعترض عليها لانها لاتضر بمصالحها في العراق !
اذن وجهة نظر امريكا !!! ان مادورو ليس “معتقلاً”؟! بل هو مطلوب للقضاء في الولايات المتحدة وصدرت بحقه مؤخراً مذكرة اعتقال من الأرجنتين. لذلك كان مادورو يتجنب السفر إلى الدول التي قد تسلمه ويتحصن بدعم الجيش الفنزويلي (ولاندري اين كان هذا الجيش والحماية الخاصة لحظات اعتقاله ؟!؟! )وحلفاء دوليين مثل روسيا والصين وإيران.
لماذا الاعتقال الآن؟
بسبب قرار المحكمة الأرجنتينية الأخير الذي جاء رداً على حملة القمع التي تلت انتخابات يوليو 2024 وهو ما اعتبره أنصار مادورو تدخلاً في شؤون بلادهم، بينما اعتبره خصومه خطوة نحو العدالة الدولية.
لماذا لاتستخدم أمريكا نفس المبدأ مع المجرمين الفاسدين بالعراق ؟
هذا السؤال يلمس نقطة جوهرية في السياسة الأمريكية وهي ما يصفه الكثير من المحللين بازدواجية المعايير أو تخفيفا لها وتجميدا يسمونها بالواقعية السياسية” (Realpolitik)
الاسباب كما نراها :-
هناك عدة أسباب تفسر لماذا تتعامل الولايات المتحدة مع النظام في فنزويلا (مادورو) بشكل مختلف تماماً عن تعاملها مع الطبقة السياسية الفاسدة في العراق رغم وجود اتهامات بالفساد في الحالتين:
1. طبيعة العلاقة (خصم مقابل شريك)
فنزويلا:تُصنف واشنطن نظام مادورو كنظام معادٍ لها وتهديد لمصالحها في أمريكا اللاتينية ؟! وهو حليف وثيق لروسيا والصين وإيران. لذا حسب المزاج والمصالح تُستخدم الأدوات القانونية والقضائية (مثل مذكرات الاعتقال) كجزء من أدوات “تغيير النظام” أو الضغط عليه.
اما الوضع الكارثي في العراق فالولايات المتحدة اسست هذا النظام في العراق وهي مسؤولة عنه وتعتبر الحكومة العراقية بكل سيئاتها وكوارثها على الشعب العراقي “شريكاً استراتيجياً”. ولا ننسى ان هناك اتفاقيات أمنية واقتصادية وقوات أمريكية موجودة على الأرض وتتحجج الادارات الأمريكية بأن اعتقال مسؤولين كبار في الدولة العراقية أو ملاحقتهم قضائياً قد يؤدي إلى انهيار الحكومة أو طرد القوات الأمريكية وهو ما لا تريده واشنطن حالياً او مستقبلا؟؟؟!!!
2. التوصيف القانوني (تجارة المخدرات مقابل الفساد الداخلي)
نوع التهمة لمادورو فالتهمة الموجهة له في أمريكا ليست “الفساد” فقط بل هي الإرهاب المرتبط بالمخدرات (Narco-terrorism). وتزعم واشنطن أن مادورو يهرب الكوكايين مباشرة إلى الأراضي الأمريكية مما يعطي القضاء الأمريكي ولاية قانونية لمحاكمته لأنه يضر بالأمن القومي الأمريكي مباشرة.
اما العراق فتعتقد الادارة الأمريكية ان معظم ملفات الفساد في العراق تتعلق بسلب المال العام العراقي أو غسيل الأموال وهو امر لايضر بمصالحها او يهدد الامن القومي الأمريكي لذلك بالنسبة للقانون الأمريكي من الصعب إصدار “مذكرة اعتقال” بحق مسؤول أجنبي بتهمة سرقة أموال بلده، إلا إذا كانت هذه الأموال تمر عبر النظام المصرفي الأمريكي وأعتقد أن هذا الشرط متحقق لان الاموال تمر عبر النظام المصرفي الأمريكي وكذلك (الحكومات في العراق المحتل تُمول جماعات إرهابية مدرجة على القوائم الأمريكية المتمثلة بالمليشيات الولائية )ومع ذلك لم تحرك الادارات ساكنا بهذا الموضوع ؟؟!!
3. الاستقرار السياسي والمخاطر
-في العراق النظام السياسي كما خططت له دول الاحتلال كأمريكا وبريطانيا مبني على “المحاصصة”. إذا قررت أمريكا ملاحقة رؤوس كبيرة في الفساد، فقد يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار النظام بأكمله رغم انهم يعلمون ان النظام متهرئ وميت سريريا !؟ مما قد يفتح الباب لزيادة النفوذ الإيراني بشكل مطلق. واشنطن تفضل أحياناً “الاستقرار الهش” على “الفوضى الشاملة”.
4. استخدام “العقوبات” بدلاً من “الاعتقال”
بدلاً من مذكرات الاعتقال، تستخدم أمريكا مع الشخصيات العراقية سلاحاً آخر وهو عقوبات “قانون ماغنيتسكي”
-واشنطن فرضت بالفعل عقوبات على شخصيات عراقية بارزة (مثل فالح الفياض، قيس الخزعلي، ريان الكلداني، وآخرين) بتهم انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد.
-العقوبات تشمل تجميد الأصول ومنع السفر، وهي “اعتقال مالي” بدلاً من الاعتقال البدني، لأن اعتقال مسؤول عراقي يتطلب عملية عسكرية أو أمنية معقدة داخل العراق، وهو أمر مستحيل عملياً دون إعلان حرب وكأن العراق لايعيش حالة حرب منذ احتلاله ولحد الان …
5. المصالح القومية فوق المبادئ
في العلاقات الدولية فالمبادئ (مثل محاربة الفساد) غالباً ما تتراجع أمام المصالح.
أ-إذا كان “الفاسد” يخدم المصالح الأمريكية أو يحافظ على توازن معين كما هو الحال بالعراق فقد يتم التغاضي عنه!!!!!!
ب-إذا كان “الفاسد” يعارض السياسة الأمريكية (مثل مادورو) فيتم استخدام ملف الفساد والقضاء ضده كأداة ضغط سياسي قانونية.
ج-أمريكا بسبب مصالحها ؟! لا تستخدم نفس المبدأ في العراق لأنها لا تزال تعتبر النظام العراقي الحالي الذي صنعته (حليفاً) أو “أهون الشرين”ولأن ملاحقة الفاسدين هناك قد تطيح بمصالح واشنطن الاقتصادية و الأمنية بينما في فنزويلا الهدف هو الإطاحة بمادورو أصلاً المزعج للإدارة الأمريكية لذا فإن مذكرات الاعتقال تخدم هذا الهدف.

