مقالات

متاهة المعنى

بقلم عربية قدوري، مرافئ الحنين

لا يتبدّل معنى الكلمة بتغيّر موقعها في الجملة فحسب، بل يتغيّر – وربما ينقلب – بتغيّر طريقة تلقيها؛ أهي مسموعة أم مقروءة؟

مفارقة عجيبة… والأعجب أننا لا نملك دليلًا ماديًا قاطعًا على ذلك، ومع هذا نؤمن به، نُسلّم له، ونتعامل على أساسه في حياتنا اليومية، دون تردّد. فكيف يجتمع الإيمان بغياب البرهان؟ وأيّ تناقض هذا الذي يبدو متناقضًا في الظاهر، لكنه متجذّر في أعماق التجربة الإنسانية؟

في زمنٍ غير بعيد، كان التواصل فعل حضور: حديثًا يُقال، وحوارًا يُدار وجهًا لوجه. كانت الكلمة تُولد مصحوبة بنبرة الصوت، وتُحاط بتعابير الوجه، وتُدعَّم بلغة الجسد، فتصل حيّة، دافئة، محمّلة بروح قائلها. أما اليوم، فقد صارت الكلمة تُحلّق عبر موجات لا تُرى، وتُرسل إلكترونيًا مجرّدة من ملامحها، حتى فقدت الكثير من معناها، الحقيقي والمجازي معًا. تحوّل الحديث إلى نصّ جامد، بلا روح، وبمصداقية هشّة تكاد تنعدم.

وهكذا، بدأ التآكل الصامت للقيم: تراجعت الثقة، بهت الصدق، واهتزّ الاحترام. لا لأن الكلمة تغيّرت في ذاتها، بل لأن طريقة تلقيها تغيّرت. فالكلمة وحدها لا تكفي لتوصيل الفكرة كاملة؛ إنها تحتاج إلى وجه يفسّرها، وصوت يمنحها حياة، ونظرة تُكمل معناها.

لنجرب تجربة بسيطة: نقرأ نصًا قراءة صامتة، ثم نعيد قراءته جهرًا، ثم نسجّله ونستمع إليه لاحقًا. سنكتشف أن الأثر ليس واحدًا، وأن المعنى يتلوّن في كل مرة، رغم ثبات الكلمات. هنا ندرك أن الكلمة ليست حروفًا فحسب، بل تجربة شعورية كاملة، وأن الفهم لا يسكن النص وحده، بل يولد في المسافة بين القائل والمتلقي.

إن أزمة عصرنا ليست في فقر اللغة، بل في فقر الحضور. فحين غاب الإنسان عن الكلمة، غابت روحها… وبغياب روحها، فقدنا الكثير من يقيننا ببعضنا البعض.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى