مقالات

الْبِيئَةُ… وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا… نُكْتَةٌ سَمْجَةٌ

بقلم المستشار عبد الرحيم الشويلي.

الْبِيئَةُ، هَذِهِ الْكَلِمَةُ الرَّنَّانَةُ الَّتِي صَارَتْ دَائِمًا جَوَازَ سَفَرٍ إِلَى الْمُؤْتَمَرَاتِ،
وَقَضِيَّةً دُوَلِيَّةً تُثَارُ كُلَّ عَامٍ، وَتُدْفَنُ كُلَّ عَامٍ،
تُناقَشُ بِحَمَاسَةٍ فِي الْقَاعَاتِ الْمُكَيَّفَةِ،
وَتُنسَى فَوْرَ الْخُرُوجِ إِلَى شَوَارِعَ بِلَا أَشْجَارٍ وَلَا هَوَاءٍ.
مُنْذُ عُقُودٍ، وَالْعَالَمُ يَتَحَدَّثُ عَنْ حِمَايَةِ الْبِيئَةِ:
مُؤْتَمَرَاتٌ، قِمَمٌ، مَوَاثِيقُ، بُرُوتُوكُولَاتٌ، تَوْصِيَاتٌ، لِجَانٌ، وَلِجَانٌ لِلِّجَانِ…
وَالنَّتِيجَةُ؟
الْحَرَارَةُ تَرْتَفِعُ دَائِمًا، الْغَابَاتُ تَخْتَفِي، الْبِحَارُ تَخْتَنِقُ بِالْبِلَاسْتِيكِ،
وَنَحْنُ نُرَتِّبُ أَوْرَاقَنَا بِدِقَّةٍ وَنُصَفِّقُ لِأَنْفُسِنَا.
فِي عَامِ 1992م، اجْتَمَعَ قَادَةُ الْعَالَمِ فِي رِيُو دِي جَانِيرُو فِي مَا سُمِّيَ بِـ قِمَّةِ الْأَرْضِ.
خَرَجُوا بِوَثَائِقَ أَنِيقَةٍ، وَكَلِمَاتٍ كَبِيرَةٍ، وَنَوَايَا حَسَنَةٍ صَدِيقَةٍ لِلْكَّامِيرَاتِ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، ارْتَفَعَ مُتَوَسِّطُ حَرَارَةِ الْأَرْضِ بِأَكْثَرَ مِنْ دَرَجَةٍ مِئَوِيَّةٍ،
وَاخْتَفَى مَا يُقَارِبُ 40٪ مِنَ الْغَابَاتِ الِاسْتِوَائِيَّةِ،
وَأَصْبَحَ فِي الْمُحِيطَاتِ بِلَاسْتِيكٌ يَكْفِي لِتَغْلِيفِ الْكَوْكَبِ هَدِيَّةً فَاخِرَةً.
لَكِنْ، وَسْطَ هَذَا الضَّجِيجِ الْبِيئِيِّ،
قَالَ دِبْلُومَاسِيٌّ بَاكِسْتَانِيٌّ جُمْلَةً وَاحِدَةً،
لَمْ تَحْتَجْ إِلَى تَرْجَمَةٍ، وَلَا إِلَى لَجْنَةِ مُتَابَعَةٍ، وَلَا إِلَى مِيزَانِيَّةٍ:
«كَيْفَ نُقْنِعُ إِنْسَانًا يُفَتِّشُ عَنْ لُقْمَةِ خُبْزِهِ فِي أَكْيَاسِ الْقُمَامَةِ
أَنْ يَعْتَنِيَ بِطَائِرٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُهَدَّدٍ بِالِانْقِرَاضِ؟»
انْتَهَى الْكَلَامُ… وَبَقِيَ الْجُرْحُ مَفْتُوحًا دَائِمًا.
نَحْنُ نُطَالِبُ الْفَقِيرَ بِحِمَايَةِ الْبِيئَةِ،
بَيْنَمَا لَا نَضْمَنُ لَهُ مَاءً نَظِيفًا، وَلَا هَوَاءً نَقِيًّا، وَلَا عَمَلًا كَرِيمًا.
نَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَلِّلَ انْبِعَاثَاتِهِ الْكَرْبُونِيَّةَ،
وَهُوَ لَمْ يَنْبَعِثْ أَصْلًا مِنْ قَاعِ الْفَقْرِ.
نَتَبَاكَى عَلَى الدُّبِّ الْقُطْبِيِّ،
وَنَغُضُّ الطَّرْفَ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَعِيشُ بِلَا كَهْرَبَاءَ وَلَا صَرْفٍ صِحِّيٍّ.
نَكْتُبُ عَنِ التَّنْمِيَةِ الْمُسْتَدَامَةِ،
فِي عَالَمٍ لَا يَحْتَمِلُ حَتَّى التَّنْمِيَةَ الْمُؤَقَّتَةَ لِلْفُقَرَاءِ.
الْبِيئَةُ لَيْسَتْ شَجَرَةً فَقَطْ،
وَلَا طَائِرًا نَادِرًا،
وَلَا سُلَحْفَاةً بَحْرِيَّةً تَتَصَدَّرُ الْمُلْصَقَاتِ.
الْبِيئَةُ إِنْسَانٌ أَوَّلًا…
فَإِذَا اخْتَنَقَ الْإِنْسَانُ،
فَلَنْ يَتَنَفَّسَ الْكَوْكَبُ مَهْمَا عَقَدْنَا لَهُ قِمَمًا.
أَمَّا إِذَا أَرَدْنَا الصِّدْقَ،
فَلْنَعْتَرِفْ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْبِيئَةِ
دُونَ الْحَدِيثِ عَنِ الْعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ
لَيْسَ سِوَى نُكْتَةٍ سَمْجَةٍ…
لَكِنَّهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ بِلَا ضَحِكٍ.

القاهرة
23.ديسمبر.2025م.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى