شعر و قصص

ذكريات رمضانية بين دفء العائلة وروحانية الحرم النبوي

رمضان في المدينة المنورة: عبق الروحانية ودفء العائلة

✍️ عبدالله بن محمد عبدالهادي بخاري :

يظل شهر رمضان في المدينة المنورة مختلفًا عن أي مكان آخر، فهو شهر يمتزج فيه دفء العائلة بروحانية الحرم النبوي، ليصنع أجواء فريدة لا تُنسى. ولأن رمضان هو شهر التجمعات العائلية والروحانيات، فقد كان لمنزلنا طابعه الخاص، حيث تحرص العائلة على الاجتماع حول مائدة الإفطار، بينما يشدّ المسجد النبوي إليه قلوب المصلين الباحثين عن الطمأنينة في رحابه.

مائدة الإفطار: لحظات عائلية لا تُنسى

لطالما كانت سفرة الإفطار في بيتنا عامرة بالأطباق المدينية التقليدية التي تعبق بروائحها الزكية في أرجاء المنزل، من الشريك، والفول، والدقة المدينية، والشوربة، إلى البف، وغيرها من الأطباق التي تُميز رمضان في المدينة المنورة.

ورغم انشغال الأبناء بأسرهم وأعمالهم، كان والدي، رحمه الله، يصرّ على حضور الجميع، قدر المستطاع، إلى المائدة، ليحافظ على جوّ العائلة الذي يميز هذا الشهر الفضيل. كنتُ أقترح عليه إقامة سفرة الإفطار في المسجد النبوي، لكنه كان يفضل البقاء في البيت مراعاة لظروف أفراد العائلة الذين قد لا يتمكنون من الحضور إلى الحرم. كان يقول:
“ليس كلنا يستطيع الحضور إلى الحرم بسبب الأشغال، لكن في البيت أحب جمعتكم مع والدتكم وأخواتكم حسب المقدرة والاستطاعة، لأنهن مع أزواجهن.”

هذا الحرص على التجمع العائلي لم يكن مجرد عادة، بل كان فلسفة زرعها والدي فينا، وهي أن رمضان ليس فقط للصلاة والعبادة، بل هو أيضًا شهر لتعزيز الروابط الأسرية.

التراويح في المسجد النبوي: روحانية خاصة

بعد الإفطار، كنتُ أحرص على التوجه إلى المسجد النبوي لأداء صلاة العشاء والتراويح، مستشعرًا السكينة التي تغمر المكان، وسط حشود المصلين الذين يملؤون أروقته وساحاته. كان والدي يشجعني على ذلك، قائلاً:
“وأنت تحب الصلاة في الحرم، فاذهب لصلاة العشاء والتراويح هناك.”

بكلماته البسيطة، غرس فيّ والدي حبّ الجمع بين الاجتماع العائلي والروحانيات الرمضانية، ليبقى التوازن بينهما جزءًا من عاداتي في هذا الشهر الفضيل.

وجبة السحور: اجتماع عائلي بنكهة خاصة

لم يكن الإفطار وحده هو الذي يجمعنا، بل حتى السحور كان له طابع خاص. كان والدي يشدد على أهمية تجمع الأبناء مع زوجاتهم، والبنات حسب ظروفهن، لتناول وجبة السحور معًا، مؤمنًا بأن هذه العادة تعزز الروابط الأسرية، وتُرسّخ روح المحبة والتآلف بين أفراد العائلة.

رمضان في المدينة: بين البيوت والحرم

أهل المدينة المنورة لهم طريقتهم الخاصة في استقبال رمضان، فالبعض يفضل إقامة سفرة الإفطار في الحرم النبوي أو مسجد قباء، حيث تمتد موائد الخير في أجواء إيمانية لا مثيل لها، بينما يحرص آخرون على الإفطار في البيوت، محافظين على العادات المدينية الأصيلة التي تجمع بين كرم الضيافة وأجواء الألفة العائلية.

ورغم اختلاف العادات، يبقى القاسم المشترك بين الجميع هو الشعور بالسكينة والروحانية التي تميز رمضان في طيبة الطيبة.

رمضان: شهر تتوارثه الأجيال

ما زرعه والدي ووالدتي فينا من قيم وعادات رمضانية، أصبح جزءًا من هويتنا التي نحرص على نقلها لأبنائنا، ليبقى رمضان شهر الاجتماع العائلي والروحانية العميقة، وشهرًا تحمله القلوب أينما كانت.

بهذا الإرث الرمضاني، يظل رمضان في المدينة المنورة مزيجًا من الدفء العائلي ونورانية الحرم، ليكون ذكرى لا تُنسى، وقصة تُروى للأجيال القادمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى