جراحٌ لا يراها الطبيب… فمن يداوي الروح؟

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

«قُلْ للطبيبِ الذي قد جاءَ يُسعفُنا
لا تُهدِرِ الوقتَ، ليسَ الجُرحُ بالبَدَنِ»

ما أعمق هذه الكلمات حين تلامس قلبًا أنهكته الحياة، وما أصدق وقعها على نفسٍ تحمل من الأوجاع ما لا تستطيع البوح به! فليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الآلام تُرى بالعين، ولا كل القلوب التي تبتسم أمام الناس تعيش في سلام.

هناك جراح تسكن أعماق الروح، لا تكشفها الأشعة، ولا تضمدها الضمادات، ولا يستطيع الإنسان أن يشير إلى موضعها فيقول: هنا يؤلمني. جراح خلّفتها خيانة بعد ثقة، أو فراق بعد محبة، أو ظلم لم يجد صاحبه من ينصفه، أو غياب إنسان كان يمثل عالمًا بأكمله.

ولعل أشد ما في هذه الجراح أنها لا تُرى، فيمضي صاحبها بين الناس وكأن شيئًا لم يحدث، يشاركهم أحاديثهم، ويبادلهم الابتسامات، فإذا خلا إلى نفسه عاد إليه ذلك الوجع الذي ظن أنه غادره منذ زمن.

فكم من جسدٍ معافى يحمل روحًا متعبة، وكم من وجهٍ باسم يخفي وراءه حكاية لم تُروَ لأحد!

ولجراح الروح وجوه متعددة؛ فمنها جرح الفقد حين يغيب عزيز بالموت، فتظل ذكراه حاضرة في الأماكن والتفاصيل الصغيرة. كرسيه الذي خلا، وصوته الذي سكن، وأشياء تركها خلفه، فإذا بها تستحضر حضوره كلما حاول القلب الاعتياد على غيابه.

وهناك جرح آخر، ربما لا يقل قسوة، حين يأتي الألم ممن أحببناه ووثقنا به. فليس أصعب على القلب من أن يتحول من كان مصدر الطمأنينة إلى سبب الوجع، وأن يصبح الإنسان الذي كنا نلجأ إليه هربًا من أحزان الدنيا هو الحزن الذي نحاول الهروب منه.

غير أن المحبة، مهما بلغت منزلتها، ينبغي ألا تجعل الإنسان يفقد نفسه. فليس من الحكمة أن نضع سعادتنا كلها في يد شخص واحد، أو أن نجعل استمرار حياتنا مرهونًا ببقائه. فالحب الذي يضيء الروح نعمة، أما التعلق الذي يسلب الإنسان إرادته وسكينته فقد يتحول إلى قيد يؤلمه أكثر مما يسعده.

ولكن هل الجرح وحده هو الذي يؤلمنا، أم أن الذكريات قد تجعلنا نعيش الجرح مرات لا تنتهي؟

كم من إنسان مضت على تجربته سنوات طويلة، لكنه لا يزال يعود إليها كل ليلة، يستعيد الكلمات والمواقف، ويسأل نفسه: لماذا حدث ذلك؟ وماذا لو تصرفت بطريقة أخرى؟ وهل كان بإمكاني أن أمنع ما جرى؟

وهكذا يصبح الماضي سجنًا لا قضبان له، ويغدو الإنسان أسيرًا لذكريات لا يستطيع تغييرها، لكنه يواصل محاكمتها في داخله.

والحقيقة أن بعض الجراح لا يطيل عمرها الحدث وحده، بل قد يزيدها الاجترار المستمر للألم عمقًا. وليس في ذلك لوم لمن يعاني، فالتعافي ليس قرارًا يتخذه الإنسان فيستيقظ في اليوم التالي وقد نسي كل شيء؛ وإنما رحلة تحتاج إلى صبر ورفق بالنفس، وإلى شجاعة النظر نحو المستقبل دون إنكار الماضي.

وهنا نعود إلى السؤال الذي يفرض نفسه:

إذا كانت جراح الجسد تجد من يضمدها، فمن يداوي جراح الروح؟

لعل أول أبواب السكينة أن يجد الإنسان في إيمانه بالله ملاذًا حين تضيق به الحياة. فقد قال سبحانه وتعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

وليس معنى ذلك أن المؤمن لا يحزن أو أن الدموع دليل على ضعف الإيمان؛ فقد بكى رسول الله ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا»، رواه البخاري.

فالإيمان لا ينتزع من القلب مشاعر الفقد، ولكنه يمنحه الرجاء والقوة على الصبر، ويذكّره بأن رحمة الله أوسع من أحزانه، وأن ما عجز عن تغييره يستطيع أن يستعين بالله على احتماله.

وقد يجد الإنسان في القرآن والدعاء والصلاة سكينة لا يجدها في ضجيج الحياة، كما قد يجد في حديث صادق مع قريب، أو حضن أم، أو كلمة مواساة من صديق، ما يخفف عنه بعض ما أثقل روحه.

وأحيانًا يكون الاعتذار الصادق بلسمًا لجرح خلّفته إساءة، ويكون إنصاف المظلوم بداية لعودة الطمأنينة إلى قلبه. لكن ماذا لو لم يأت الاعتذار؟ وماذا لو رحل من ننتظر عودته إلى الأبد؟

هنا ينبغي أن نتعلم حقيقة مؤلمة، لكنها ضرورية: ليس شفاؤنا مرهونًا دائمًا بمن جرحنا، ولا بعودة من فقدنا.

فقد يسامح الإنسان دون أن ينسى، وقد يتجاوز الإساءة دون أن يعيد العلاقة، وقد يحتفظ بمحبة الراحل في قلبه دون أن يجعل غيابه يحجب عنه كل جمال بقي في الحياة.

أما الزمن الذي نعلّق عليه آمالنا، فليس دواءً يعمل وحده. قد تخفف الأيام حدة الألم، لكن الإنسان يحتاج أيضًا إلى أن يساعد نفسه، وأن يخرج شيئًا فشيئًا من عزلته، وأن يمنح حياته معنى يتجاوز التجربة التي آلمته.

ولا حرج في طلب المساندة المتخصصة حين يصبح الحزن شديدًا أو يعطل الحياة؛ فالعناية بالنفس من أسباب التعافي، وليست نقيضًا للصبر أو الإيمان.

ولعل أجمل ما يمكن أن ندركه أن الشفاء لا يعني النسيان. فليس مطلوبًا من أم فقدت ابنها أن تمحو صورته من قلبها، ولا من إنسان أحب بصدق أن ينكر يومًا أنه أحب، ولا ممن تعرض للخذلان أن يتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

إنما الشفاء أن تتحول الذكرى من سكين يفتح الجرح كلما مرّت، إلى صفحة من صفحات العمر نستطيع قراءتها دون أن نفقد قدرتنا على مواصلة الحياة.

أن نتذكر الراحلين بالدعاء والمحبة، لا باليأس وحده. وأن نستخلص من الخذلان حكمة، لا خوفًا دائمًا من الناس. وأن نمنح قلوبنا فرصة جديدة للطمأنينة، دون أن نخجل من ندوبها.

فيا من تحمل في قلبك جرحًا لا يعرفه أحد، لا تقسُ على نفسك لأنك لم تنسَ، ولا تستعجل شفاءك لأن غيرك تجاوز ألمه قبلك. لكل قلب رحلته، ولكل حزن مدته، وليس الناس سواءً في قدرتهم على الاحتمال.

ولكن لا تجعل من رحل يأخذ معه بقية عمرك، ولا تمنح من جرحك سلطة على أيامك القادمة. احتفظ للراحلين بجميل الذكرى، وتعلم من الذين خذلوك، وافتح في قلبك نافذة يدخل منها النور.

فبعض الجراح قد لا تمحوها الأيام، لكنها تستطيع أن تفقد قدرتها على إيذائنا. وبعض الذكريات قد لا تغادر القلب، لكنها تتعلم أن تسكنه بسلام.

وحين نصل إلى هذه المرحلة، ندرك أن مداواة الروح ليست في نسيان كل ما مضى، بل في ألا نسمح لأوجاع الأمس أن تحرمنا من حقنا في الحياة اليوم.

فقد لا يعود القلب كما كان قبل الجرح، لكنه يستطيع أن ينبض من جديد… لا لأنه نسي ما حدث، بل لأنه تعلّم كيف يعيش، رغم كل ما حدث.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24