الإبادة النخبوية… كيف يُغزى الوطن دون إطلاق رصاصة واحدة؟

بقلم: د. رياض عبد الستار الدليمي

في الخامس من آذار عام 1940، اتخذت القيادة السوفيتية، برئاسة جوزيف ستالين، قراراً بتصفية آلاف الأسرى والمعتقلين البولنديين. لم يكن القرار معركة عسكرية، بل عملية سياسية استهدفت أشخاصاً رأت السلطة السوفيتية أنهم قد يشكلون خطراً على نفوذها وسيطرتها.
كانت بولندا قد تعرضت للغزو الألماني في أيلول 1939، ثم دخلها الجيش الأحمر السوفيتي من الشرق، تنفيذاً للتفاهمات السرية بين هتلر وستالين بشأن تقسيم مناطق النفوذ في أوروبا الشرقية. ووقع آلاف البولنديين في الأسر، بينهم ضباط ومسؤولون وأفراد من الشرطة وأجهزة الدولة، واحتُجز كثيرون منهم في معسكرات كوزيلسك وستاروبيلسك وأوستاشكوف.
وفي آذار 1940، رفع لافرينتي بيريا، رئيس جهاز الأمن السوفيتي NKVD، مقترحاً إلى ستالين لإعدام الأسرى الذين اعتبرهم أعداء للسلطة السوفيتية. وفي الخامس من آذار، وافقت القيادة السوفيتية على المقترح، وبدأ تنفيذ القرار في نيسان.
أُعدم آلاف الأشخاص بإطلاق النار على مؤخرة الرأس، ودُفنوا في مقابر جماعية في غابة كاتين قرب سمولينسك، وفي مدنويه وخاركوف ومواقع أخرى. وبلغ عدد الضحايا نحو 22 ألف مواطن بولندي، بينهم ضباط عسكريون ورجال شرطة وقضاة ومسؤولون حكوميون ومدنيون.
لم يكن جميع الضحايا من المثقفين أو أصحاب الشهادات العليا، لكن الجريمة طالت قطاعات مهمة من مؤسسات الدولة البولندية وكوادرها العسكرية والإدارية.
كانت تلك ضربة لمجتمع لم يفقد أبناءه فحسب، بل فقد أيضاً جزءاً من خبرته المؤسسية وقدرته على استعادة قيادته الوطنية.

من تصفية النخبة إلى طمس الحقيقة
لم تنتهِ الجريمة عند الإعدامات، بل أعقبها إنكار طويل للمسؤولية.
في نيسان 1943، أعلنت السلطات الألمانية اكتشاف المقابر الجماعية في غابة كاتين، واستغلت القضية في دعايتها ضد الاتحاد السوفيتي. وفي المقابل، اتهم السوفييت الألمان بارتكاب المجزرة، واستمروا في إنكار مسؤوليتهم عقوداً، حتى أقرّ الاتحاد السوفيتي رسمياً عام 1990 بمسؤولية جهازه الأمني عن عمليات القتل.
تكشف هذه المرحلة وجهاً آخر من الجريمة: لم يُستهدف الإنسان وحده، بل استُهدفت الحقيقة أيضاً، في محاولة لفرض رواية السلطة على ذاكرة المجتمع.
إن حماية الذاكرة الوطنية ليست ترفاً ثقافياً؛ فالشعب الذي يفقد القدرة على معرفة تاريخه ومحاسبة مرتكبي الجرائم يصبح أكثر عرضة لتكرارها.

كيف يُضعف وطن دون احتلاله؟
لا تعني تجربة كاتين أن جميع أشكال التدخل الخارجي تتبع خطة واحدة، لكنها تقدم درساً مهماً: إن إضعاف الكفاءات الوطنية والمؤسسات المستقلة قد يترك فراغاً يسهل استغلاله.
تبدأ المشكلة عندما تُهمَّش الكفاءة لمصلحة الولاء، ويُقصى المستقلون عن مواقع التأثير، وتُحاصر الجامعات والقضاء والإعلام، ويضطر العلماء والأطباء والمهندسون إلى الهجرة بحثاً عن بيئة تحترم خبراتهم وتحمي حقوقهم.
وعندما يتسع هذا الفراغ، قد تتقدم شبكات المصالح والمحاصصة على حساب المؤسسات، ويصبح الوصول إلى المسؤولية مرتبطاً بالانتماءات والعلاقات، لا بالنزاهة والخبرة.
ثم تأتي مرحلة أخطر، حين تتغير المفاهيم؛ فتُقدَّم التبعية باعتبارها واقعية سياسية، ويُصوَّر استقلال القرار على أنه مغامرة أو عزلة، وتُبرَّر التنازلات عن السيادة بحجة الضرورات والتحالفات.
وفي مثل هذه الظروف، قد لا تحتاج القوى الخارجية إلى فرض إرادتها مباشرة، إذ يمكن أن تجد أطرافاً داخلية تدافع عن خياراتها، بدافع المصالح أو التحالفات أو الحسابات السياسية.
وهكذا لا يعود الخطر مقتصراً على التدخل الخارجي، بل يمتد إلى تراجع قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها وفق مصالح شعبها ودستورها.

العراق… حين تتراجع الدولة وتتقدم الولاءات
إن استحضار مجزرة كاتين في سياق العراق لا يعني المساواة بين التجربتين؛ فلكل منهما ظروفها التاريخية والسياسية. لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث عندما تُهمَّش الكفاءات، وتضعف المؤسسات، وتتعدد مراكز النفوذ، ويصبح القرار الوطني عرضة للارتباطات الخارجية؟
لقد خسر العراق، عبر عقود من الحروب والاستبداد والعنف والاضطرابات، أعداداً كبيرة من علمائه وأطبائه ومهندسيه وأساتذته ومثقفيه. ولم تكن الخسارة في هجرتهم وحدها، بل في استمرار الظروف التي تعرقل عودتهم ومشاركتهم في بناء الدولة.
وتزداد المشكلة خطورة عندما تتداخل المحاصصة والفساد وضعف المساءلة مع نفوذ الجماعات المسلحة والارتباطات الخارجية. فالدولة لا تستطيع ممارسة سيادتها كاملة إذا تعددت مراكز القرار الأمني، أو تعذر تطبيق القانون على الجميع، أو خضعت خياراتها السياسية والاقتصادية لضغوط تتعارض مع مصالح مواطنيها.

الدستور فوق المصالح الفئوية، والدولة فوق التشكيلات، والقائد العام للقوات المسلحة فوق أي قيادة مسلحة خارج التسلسل الدستوري، والعراق فوق أي ولاء خارجي.
هذه المبادئ ليست شعارات للاستهلاك السياسي، بل ينبغي أن تُترجم إلى مؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية وعسكرية مهنية، ومحاسبة عادلة، وإدارة شفافة للثروات العامة.
ومعالجة هذه المشكلات لا تكون بالتخوين الجماعي أو بإقصاء المختلفين سياسياً، بل بالتمييز بين الاختلاف المشروع وبين الفساد والعنف والارتباطات الخارجية غير المشروعة، استناداً إلى الأدلة والقانون.
استعادة النخبة شرط لاستعادة الدولة
إن إعادة بناء العراق لا تبدأ بتغيير الوجوه وحده، بل بتغيير المعايير التي تسمح بالوصول إلى مواقع المسؤولية.
نحتاج إلى جامعة تحمي حرية البحث، وقضاء لا يخضع للضغط، وإعلام قادر على كشف الحقيقة، ومؤسسات تمنح الفرص لأصحاب الكفاءة والنزاهة. كما نحتاج إلى مشروع وطني جامع يتيح للعراقيين في الداخل والخارج المشاركة في بناء دولتهم بعيداً عن الانقسامات الطائفية والحزبية.
ويجب أن يشعر الشباب بأن مستقبلهم لا يتوقف على انتمائهم، وأن العلم والخبرة والعمل الجاد هي طريق التقدم، لا المحسوبية والولاءات. فالنخبة الوطنية ليست طبقة مغلقة أو مجموعة من أصحاب الشهادات فحسب، بل كل من يمتلك المعرفة والنزاهة والاستقلال والقدرة على خدمة المجتمع والدفاع عن القانون.
إن حماية الكفاءات قد تكون أهم من كثير من المشاريع العمرانية والاقتصادية؛ فالمباني يمكن إعادة تشييدها، أما بناء الإنسان والمؤسسات والثقة العامة فيحتاج إلى سنوات طويلة.
لقد بقيت مجزرة كاتين شاهداً على خطورة تصفية الكفاءات وطمس الحقيقة، وعلى أن قوة الوطن لا تُقاس بموارده وحدها، بل بقدرته على حماية الإنسان والمؤسسة والذاكرة الوطنية.

فاحتلال الأرض قد ينتهي بانسحاب الجيوش، أما إضعاف العقول وتهميش الكفاءات وإخضاع القرار الوطني فقد يستمر حتى بعد زوال الاحتلال المباشر.
والعراق لا يحتاج إلى نخب تتصارع على النفوذ، بل إلى نخب تتنافس في بنائه؛ ولا يحتاج إلى ولاءات تتجاوز حدوده، بل إلى مواطنين يجعلون مصلحة شعبهم وسيادة دولتهم أساساً لمواقفهم.
إن حماية الكفاءات الوطنية، واستعادة استقلال القرار، وترسيخ سيادة القانون، ليست مطالب منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد: بناء دولة عراقية قوية بمؤسساتها، مستقلة بقرارها، عادلة مع مواطنيها، وقادرة على حماية مستقبل أجيالها.

د. رياض عبد الستار الدليمي

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24