د. غادة الطنطاوي
ثمة أشخاص لا يرون في المرآة وجوههم، بل يرون عالمًا كاملًا يدور حولهم، ويظنون أن الآخرين خُلقوا ليكونوا شهودًا على عظمتهم، لا شركاء في الحياة.
النرجسية ليست حبًّا مفرطًا للذات بقدر ما هي عجزٌ عن رؤية الآخرين خارج حدود الأنا؛ أن تحتاج إلى إعجاب الجميع، وأن تعتبر الاختلاف إهانة والرفض انتقاصًا من قيمتك. والمفارقة أن بعض الذين يبدون أكثر ثقة بأنفسهم، قد يكونون أشدّ الناس خوفًا من مواجهة حقيقتهم العارية. فهل النرجسي مغرم بذاته حقًّا، أم أنه يهرب منها إلى صورة مثالية صنعها كي لا يرى ما يخشاه في أعماقه..؟؟
النرجسي لا يبحث عن الحب بقدر ما يبحث عن مرآةٍ تعكس صورته التي يريد أن يراها الآخرون، ولا يقترب منك لأنك تعنيه، بل لأنك تمنحه شعورًا بأنه شخص استثنائي، تتقبّل أخطاءه دون أن تحاسبه. يمنحك في البداية اهتمامًا ثم يبدأ تدريجيًّا في إقناعك بأنك محظوظ بوجوده في حياتك. وحين تواجهه بحقيقته، قد يحوّل المواجهة إلى اتهام يجعلك أنت المذنب فيه.
المفارقة أنه يبدو شديد الثقة، يهرب من الاعتراف بالخطأ، لأنه يهدد الصورة التي يتمسك بها عن نفسه. دائم البحث عن علاقةٍ يكون فيها مركز الكون، بينما يطلب من الطرف الآخر أن يدور في فلكه، و يظل حاضرًا حين يحتاج إليه، و قد يقضي عمره يبحث عن شخصٍ يراه عظيمًا، دون أن يسأل نفسه يومًا لماذا يحتاج إلى كل هذه العيون كي يطمئن إلى صورته..!!
وربما تأتي لحظته الأكثر قسوة حين تنفضّ من حوله المرايا، فلا يجد من يصفّق له، ولا من يتحمّل قسوته باسم الحب. عندها فقط، قد يواجه السؤال الذي هرب منه طويلًا: لماذا لم يعد هناك أحدٌ يُعجب بي، هل سأظل أرى نفسي كما كنت أراها..؟؟ أم أنني لم أكن أحب ذاتي يومًا، بل كنت أحب صورتها في عيون الآخرين..!!
قبل ألفي عام تحدثت الأساطير الإغريقية عن صياد من نسل الآله يدعى(نرسيس)، وقيل أنه كان جميلًا لدرجة أن كل من رآه وقع في حبه، لكنه لم يحب أحد. وذات يوم مر بقرب نهر، وعندما انحنى ليشرب الماء، رأى إنعكاس صورته، فأعجبه الوجه الذي رآه. وللمرة الأولى يقع نارسيس في الحب، دون أن يفطن إلى أن ما رآه لم يكن سوى إنعكاس وجهه..!! لاحقًا وقع في حب امرأة تدعى(إيكو) تردد ما يقوله الناس، وقرر أن يقضي حياته بجانب النهر حتى مات. ومن هنا عُرِفت النرجسيه..!!
ولو أن نرسيس عاش في زمن الهواتف الذكية لما كان بحاجة النهر. ففي أيامنا الحالية، البعض يحمل مرآةً فورية، وكل ما يحتاجه، موقعًا للتواصل الإجتماعي..!! يضع فيه صور ما يُحِب أن تراه الناس عليه، ثم يُراقب صدى ماتم نشره، دون أن يعرف أنه اخترع مرآةً تحتاج إلى جمهور. صنعنا مجتمعًا يعتمد بالدرجة الأولى على تقدير الآخرين لذاته فيصبح رهينًا لإنعكاس صورته.
والخاتمة تقتضي بمعرفة الإغريق للسوشيال ميديا قبل أن نخترع الكهرباء.
القصة تقول بعد موت نرسيس قرب النهر نبتت زهرة النرجس، والشاهد هنا أن الصورة لا تموت، وأن صدى ماقيل عنها تردده الأجيال.
ويبقى السؤال المطروح، ليس إن كنا نرجسيين، بل بكم المسافة بيننا وبين الصورة التي صنعناها لأنفسنا قرب النهر..!! والمشكلة في النهر ليس صورتك ، بل في أنك تنسى العالم كله وأنت ترى إنعكاسك.















