رجل ومواقف

خالد غواص

اليوم سأتحدث عن شخص قريب مني شخص قد لا أستطيع أن أنصفه حق الإنصاف أو أوفيه حقه في الحديث عن مناقبه وجميل خصاله وطباعه ومعروفه وحبه الخير للآخرين ولا عن مقدار المحبة والقبول اللذين يحظى بهما بين الناس إنه رجل يتمتع بمحبة وقبول نادرين قلما تجد لهما مثيلاً لدى شخص آخر وبقدر ما أشعر به من الفرح والفخر بهذه المكانة التي يحظى بها هذا الشخص الإ إنني كغيري ممن يعرفونه ويقدرونه أتمنى لو أنال شيئاً من تلك المحبة وذلك القبول الذي يحظى به من قبل الآخرين .

وفي الحقيقة لا أميل كثيراً إلى الحديث عن الأشخاص لأنني قد أظلم أحدهم من حيث لا أقصد فلا أعطيه حقه أو أبالغ في وصفه أو أقصر في إبراز جوانب من شخصيته فمعرفة الإنسان لا تكتمل دائماً بما نراه منه أو نسمعه عنه ولا سيما حين تكون معرفتنا به محدودة أو مستمدة مما يرويه هو عن نفسه أو يرويه الآخرون عنه .

لكن الشخص الذي سأتحدث عنه اليوم مختلف فأنا أعرفه كما أعرف نفسي وأدرك من طباعه وتفكيره ومواقفه ما يجعلني أشعر وكأنني أتحدث عن نفسي أو عن جزء أصيل من حياتي وهو كذلك جزء أصيل من حياتي إنه والدي الشيخ مسلم بن عيظة طمطيم غواص الذي يختزل البعض إسمه في لقب بن عنوف نسبةً إلى والدته التي كانت تُعرف بإسم عنوف وجرت العادة عند الكثير من أهل ظفار ينسبون الإبن أو يلقبوه على أسم أمه تعظيماً وتبجيلاً لدورها ومكانتها حيث كانت والدته إمرأة قوية الشخصية وذات عقلٌ راجح .

فيحق له مني أن أكتب عنه بكل إنصاف كما لو كنت أكتب عن أي شخص آخر خلافه بل أراه شيئاً من رد ولو جزء بسيط من فضاله وجمائله معي ومع بقية الأخوه ،
فهو من مواليد جبال ظفار نحو عام ١٩٣٥ في منتصف العقد الرابع من القرن الماضي وقد جاء إلى الدنيا بعد عدد من إخوته الذكور الذين لم يُكتب لهم أن يعيشوا طويلاً ففي تلك الحقبة كانت الحياة في ظفار شديدة الصعوبة تفتقر إلى أبسط مقومات العيش من علاج وغذاء ووسائل معيشة ونقل إذ كانت الظروف بدائية للغاية وكان كثير من الأطفال يموتون عقب الولادة أو في سنواتهم الأولى ولا ينجو منهم إلا من شاء الله له النجاة .

نشأ والدي في كنف والديه اللذين كان الناس يعدونهما من الميسورين في زمانهما ولم يكن مفهوم الثراء آنذاك مرتبطاً بالأموال والأرصدة كما هو الحال اليوم بل كان يُقاس بما يملكه الإنسان من ماشية وقطعان سواءً من الأغنام أو الإبل أو الأبقار وكان والداه يمتلكان قطعاناً كبيرة من الأغنام وعدداً من النوق الأمر الذي جعلهما في نظر الناس من أصحاب السعة والقدرة على العطاء فكان تقصدهم الناس من كل مكان في وقتٍ شح فيه المأكل والمشرب ولا يكاد سكنهم أينما تنقلوا لا يخلو من مجئ الناس إليهم .

ومن الذكريات التي كان والدي يرويها لي أن أسرته كانت تمتلك تلك الأعداد الكبيرة من الأغنام وكانوا يمنحون منها الآخرين والمنائح لا تقتصر على الأغنام وحسب كذلك بقية الحيوانات الأخرى كالجمال والأبقار فكانوا الناس أهل الخير والمعروف في ذلك الوقت يمنحون منها فكانا والديه يمنحان أغنام تُعطى لمن يحتاج إليها للإستفادة من حليبها طوال فترة إدرارها ثم إعادتها إليهم عندما تنتهي الحاجة إليها أو يقل الإنتفاع بها وكانت هذه العادة صورة من صور التكافل الاجتماعي والتراحم آنذاك بين الناس في ظفار ويقول والدي لقد قمت بها مؤخرا فكانت لدي من النوق الكثير التي أمتلكها لمن يحتاج او يطلب منيحة مني في زمن لم تكن فيه مقومات الحياة متاحة بسهولة ولم يكن توفير الغذاء أمراً يسيراً على كثير من الناس .

فقد كانت المؤن شحيحة وإن توفرت فإنها تكون بكميات محدودة وبسيطة وكان الناس يعتمدون في كثير من الأحيان على ما تجود به الطبيعة من ثمار وبذور خصوصاً خلال المواسم المختلفة وفي مقدمتها موسم الخريف وموسم الصرب بما يزخران به من خيرات ومصادر للغذاء .

وكانت من تلك الخيرات النباتات والثمار التي عرفها أهل ظفار ومنها الدجر واللوبيا والخيار والتين والقمبار والبيضح خلال موسمي الخريف والصرب وغيرها من المنتجات التي شكلت جزءاً من حياة الناس ومعيشتهم في تلك الفترة .

وكانت تربية الحيوانات مصدراً أساسياً للغذاء لدى كثير من سكان الجبال إذ يعتمدوا على حليبها ولحمها .
وهكذا كانت حياة غالبية الناس في محافظة ظفار آنذاك بسيطة ومتواضعة لكنها كانت حياة حافلة بالتعاون والتكافل والإعتماد على النفس والتعايش مع الطبيعة والصبر على مشاق الحياة .
في تلك البيئة نشأ الوالد وشاهد بأم عينيه تفاصيل تلك الحياة ومراحلها المختلفة وعاصر تحولات المجتمع وتغير أحواله وثورة ظفار وتقلباتها لاحقاً ، عاش مع والديه وأخواته فكان هو الولد الذكر الوحيد متنقلين من مكان إلى آخر حيثما وجدت المراعي وحيثما أقتضت ظروف تربية الأغنام الإقامة والإنتقال .

لقد عاش الوالد تلك الظروف بكل تفاصيلها ولم تكن بالنسبة إليه مجرد حكايات تُروى عن الماضي بل كانت حياة عاشها بكل ما فيها من مشقة وبساطة ومن شظف العيش والتعاون بين الناس وربما كان لتلك البيئة أثرها في تكوين شخصيته وترسيخ قيم الكرم والعطاء ومساعدة الآخرين وهي خصال عرفته بها منذ وعيت الحياة وفهمت ما يدور حولي
فوالدي رجل محب للجميع صديق للصغير قبل الكبير كريم في عطائه يحب الخير للناس ويمنح من ماله ووقته وجهده ما أستطاع إلى ذلك سبيلاً ومنذ أن وعيت وأدركت لم أسمعه يوماً يتذمر من شخص أو يضمر السوء لأحد بل كان دائم التوصية لنا بفعل المعروف ومساعدة الآخرين وتقديم الخير للجميع ظفار بشكل عام دون تمييز أو تفريق .
ولم يكن حبه للخير مجرد كلمات يقولها أو نصائح يرددها على مسامعنا بل كان سلوكاً نراه في مواقفه وتصرفاته وفي علاقته بالناس وفي الطريقة التي يتعامل بها مع من يقصده أو يحتاج إليه .
تراه سهلاً في تعامله قريباً في حديثه متواضعاً في حضوره لكن وراء هذا كله شخصية لها رؤيتها الخاصة وحكمتها في التعامل مع المواقف وقدرتها على فهم الناس وقراءة ما وراء الكلمات والتصرفات وهذه من الجوانب التي قد لا يكتشفها المرء من لقاء عابر أو معرفة سطحية بل تحتاج إلى معاشرة طويلة ومواقف تكشف عن حقيقة الإنسان وما يحمله في داخله .
وأنا حين أتحدث عن هذه الجوانب فإنما أتحدث من واقع معرفتي القريبة به فأنا أبنه الذي عاش معه وراقب طباعه وفهم طريقة تفكيره وشهد مواقفه معنا نحن أبنائه ومع الآخرين بما فيها مواقف لا يحب أن يتحدث عنها ولا يرضى أن نتحدث نحن عنها ونحن برفقته فهو لا يميل إلى إستعراض ما يقدمه للناس ولا يرى أن المعروف الذي يصنعه يستحق أن يتحول إلى حديث يتناقله الآخرون لحفظ عزة نفس من يقدم له المعروف .

ولعل هذه الخصلة تحديداً من أكثر ما يجعلني أقدره وأعتز به أكثر وأكثر فبعض الناس يتحدثون عما يقدمونه وبعضهم يجعلون من عطائهم وسيلة لكسب الثناء أما هو فقد علمنا بمواقفه أن المعروف لا يحتاج إلى إعلان وأن قيمة العطاء تكمن في أثره لا في مقدار ما يناله صاحبه من المديح بسببه .

إن الحديث عن والدي ليس مجرد حديث إبن عن أبيه بدافع المحبة والأعتزاز وإن كانت هذه المحبة حاضرة في كل كلمة أكتبها بل هو محاولة لتوثيق سيرة رجل عاصر زمناً مختلفاً وعاش تحولات الحياة في ظفار بمختلف أشكالها والوانها وعاصر الكثير من الأحداث القديمة وحمل معه من ذلك الزمن قيماً أصيلة ما زالت حاضرة في شخصيته وسلوكه إلى الأن .

وأدرك تماماً أنني مهما كتبت قد لا أوفيه حقه ومهما سردت من مواقف وذكريات فستظل هناك جوانب كثيرة لا تتسع لها الكلمات ومواقف لا يعلم تفاصيلها إلا من عاشها أو كان شاهداً عليها لكن حسبي أنني حاولت أن أكتب عن رجل أعرفه جيداً وأعتز به كثيراً وأرى في سيرته ومواقفه ما يستحق أن يُروى للأجيال رجل لم تصنع مكانته كثرة الحديث عن نفسه وإنما صنعتها علاقته بالناس وطيب معشره وكرمه وحبه للخير وما تركه من أثر طيب في نفوس من عرفوه .

حفظ الله الوالد وأمد في عمره بالصحة والعافية وأدام عليه محبة الناس وقبولهم وجزاه خير الجزاء عن كل معروف قدمه لنا أو للأخرين وكل نفس أدخل عليها السرور وكل محتاج أعانه وكل يد أمتدت إليه فوجدت منه خيراً .

فبعض الرجال لا تختصرهم الأسماء ولا تفيهم الكلمات حقهم وإنما تُعرف مكانتهم بما يتركونه في قلوب الناس من محبة وفي حياتهم من أثر طيب وفي ذاكرة أبنائهم من مواقف تظل حاضرة مهما أمتد الزمن .

السبت: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦م

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24