غزو العراق…«كارثة تاريخية واستراتيجية وأخلاقية» أضعفت مكانة أميركا العالمية

«زبيغنيو بريجينسكي – شهادة أمام مجلس الشيوخ الأميركي في 1 فبراير 2007»

الدكتور ثائر العجيلي


باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي

لم يكن زبيغنيو بريجينسكي (1928–2017)، مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس جيمي كارتر (1977–1981)، مجرد مسؤول سابق يعلّق على قرارات واشنطن، بل كان أحد أبرز منظّري الاستراتيجية الأميركية والعلاقات الدولية. وقد عُرف بقراءته لتوازنات القوى العالمية، وبتحذيراته من العواقب التي قد تنشأ عندما تتقدم القوة العسكرية على الحسابات السياسية. وفي مقالته المنشورة بصحيفة واشنطن بوست عام 2002، دعا إلى التروي في قرار الحرب على العراق، وضرورة تقدير نتائجها الإقليمية والدولية.

وفي الأول من فبراير 2007، وبعد نحو أربع سنوات من الغزو، أدلى بريجينسكي بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، وقدم حكمًا بالغ القسوة على الحرب، واصفًا إياها بأنها «كارثة تاريخية واستراتيجية وأخلاقية»، قامت على افتراضات خاطئة، وأضعفت مكانة أميركا العالمية ، وألحقت الضرر بمصداقيتها الأخلاقية، وفاقمت عدم الاستقرار الإقليمي.

بالفعل، هذا الوصف القاسي تحوّل مع مرور الوقت إلى واقع ملموس رصده كبار المحللين الاستراتيجيين في العالم. لم يكن بريجينسكي وحده من رأى ذلك، بل شاركه هذا الاستنتاج العديد من أقطاب السياسة الخارجية الأمريكية من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري).

يمكن تفكيك هذا الوصف الثلاثي الذي أطلقه بريجينسكي لكشف كيف تجسد على أرض الواقع:

◾️«كارثة تاريخية»: لأنها أنهت حقبة «القطبية الأحادية المطلقة» للولايات المتحدة التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي، واستنزفت تريليونات الدولارات ومستقبل آلاف الجنود في حرب استنزاف طويلة، مما شجع قوى دولية أخرى (مثل روسيا والصين) على الصعود وتحدي النفوذ الأمريكي لاحقاً.

◾️«كارثة استراتيجية»: لأن المستفيد الأكبر من الغزو —بشهادة كبار القادة العسكريين الأمريكيين أنفسهم— كان إيران، التي تخلصت من خصمها اللدود (صدام حسين) دون أن تطلق رصاصة واحدة، مما فتح لها الباب لمد نفوذها الإقليمي عبر المنطقة، فضلاً عن الفراغ الأمني الذي أدى لولادة تنظيمات إرهابية أشد تطرفاً مثل «داعش».

◾️«كارثة أخلاقية»: لأن الحرب قامت على مبررات ثبت زيفها لاحقاً (مثل امتلاك أسلحة الدمار الشامل، أو صلة النظام بالقاعدة)، بالإضافة إلى التكلفة الإنسانية الباهظة من ضحايا مدنيين، ومظاهر الفوضى والتعذيب (مثل فضيحة سجن أبو غريب)، مما أفقد واشنطن «القوة الناعمة» والمصداقية الأخلاقية التي كانت تبشر بها في نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.

واليوم، تستعيد الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران سؤال بريجينسكي القديم بصيغة مختلفة؛ فإذا كان غزو العراق قد جاء بعد سنوات من الاستنزاف والحصار الظالم، فإن اقتراب إيران من العتبة النووية شكّل أحد دوافع التعجيل بالعمل العسكري ضدها. غير أن السؤال الاستراتيجي لا يقف عند مبررات الضربة أو قدرتها على تعطيل البرنامج النووي، بل يمتد إلى ما بعدها: هل تستطيع القوة العسكرية تحويل نجاحها الميداني إلى تسوية سياسية وأمنية مستقرة، أم أن المنطقة ستواجه تداعيات تتجاوز الحسابات التي سبقت إطلاق النار؟.

لقد لخصت عبارة بريجنسكي درساً قاسياً في السياسة الدولية: أن إسقاط الأنظمة دون خطة واضحة ومدركة لطبيعة المجتمعات وتوازناتها، قد يؤدي إلى فوضى تتجاوز حدود الدولة المعنية لتطال أمن الإقليم والعالم بأسره.

13 تشرين الأول / أكتوبر 2026

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24