إذا سُئلتَ عن العدل… فلا تقل مات عمر

بقلم ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

تتردد على الألسن عبارة أدبية مؤثرة تقول:

«وإذا سُئلتَ عن العدل فقل: مات عمر».

عبارة قصيرة، لكنها تحمل في داخلها وجع أزمنة كاملة؛ لأن الناس حين يرددونها لا يقصدون أن العدل دُفن فعلًا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنما يعبّرون عن حنينهم إلى زمن كان فيه الحاكم يخشى أن يُسأل عن الضعيف قبل أن يصل إليه صوت الضعيف، ويشعر بثقل المسؤولية قبل أن يطرق المظلوم بابه.

ويرتبط في الذاكرة الشعبية بعدل عمر قول متداول بمعنى أنه لو تعثرت دابة في العراق لخشي أن يُسأل عنها: لِمَ لم يمهّد لها الطريق؟ وسواء ثبتت هذه العبارة بهذا اللفظ أم لم تثبت، فقد أصبحت رمزًا أدبيًا لمعنى عظيم: أن المسؤولية ليست كرسيًا يُجلس عليه، بل أمانة يُسأل عنها صاحبها.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده:

هل مات العدل حقًا حين مات عمر؟

كلا.

مات عمر الإنسان، ولكن رب عمر حي لا يموت، وبقي كتاب الله يتلى إلى قيام الساعة:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.

ولنتأمل ترتيب الكلمات: العدل، ثم الإحسان، ثم إيتاء ذي القربى.

فالعدل هو الأساس؛ أن تعطي كل ذي حق حقه، فلا تنقصه لأنه ضعيف، ولا تزيد غيره لأنه قوي، ولا تغيّر ميزانك لأن هذا قريب وذاك بعيد.

ثم يأتي الإحسان؛ فالعدل أن تعطي الإنسان حقه، والإحسان أن تزيد على الحق فضلًا ورحمةً ومروءة.

ثم يأتي إيتاء ذي القربى؛ لأن العدل الذي نتغنى به في المجالس لا قيمة له إذا غاب عن بيوتنا. فما جدوى أن تطالب العالم بالعدل وأنت تظلم زوجتك، أو تفرق بين أبنائك، أو تهضم حق أخيك، أو تقطع قريبك؟

فالعدل حق، والإحسان فضل، وإيتاء ذي القربى وفاء.

ولهذا لم يجعل القرآن العدل شعارًا للحاكم وحده، بل جعله ميزانًا للإنسان في كل حياته.

في الأسرة، وحين تحدث القرآن عن التعدد قال:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.

وفي الشهادة والحقوق رفع الميزان إلى مستوى أشد، فقال:

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.

وهنا يظهر الامتحان الحقيقي للعدل.

فليس العادل من ينصف نفسه إذا ظُلم، فهذا أمر يطلبه كل إنسان؛ وإنما العادل حقًا من يقول الحق ولو كان الحق ضده، ولو كان المخطئ قريبًا منه، ولو كان صاحب الحق خصمًا له.

بل إن القرآن ذهب أبعد من ذلك، فجعل العدل واجبًا حتى مع من نكره:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

يا لها من قاعدة لو حكمت عالمنا اليوم!

العدل في القرآن لا يعرف صديقًا ولا عدوًا؛ يعرف صاحب حق فقط.

ولكن حين ننظر إلى عالمنا، نفهم لماذا يتمسك الناس بعبارة: «مات عمر».

نرى الضعيف أحيانًا يبحث طويلًا عمّن يسمع صوته، ونرى حقوقًا تضيع لأن أصحابها لا يملكون نفوذًا، ونرى ميزانًا قد يختل عندما تتدخل المصلحة والمال والقوة والقرابة.

ونرى في الحروب والمآسي الإنسانية صورة أشد قسوة.

نرى أطفالًا ونساءً ومدنيين يدفعون أثمان صراعات لم يصنعوها؛ نرى ذلك في غزة وغيرها من بقاع العالم التي أنهكتها الحروب والنزوح والجوع والخوف.

وهنا يصبح السؤال مؤلمًا:

هل أصبحت قيمة الدم تختلف باختلاف صاحبه؟

لماذا تهتز ضمائرنا لضحية، وتصمت عن أخرى؟

لماذا يكون موت الأبرياء مأساة هنا، ثم يتحول في مكان آخر إلى خبر عابر وأرقام على شاشة؟

إذا كان العدل عدلًا حقًا، فلا ينبغي أن تتغير قيمته بتغير الجغرافيا، ولا الدين، ولا العِرق، ولا قوة الدولة، ولا المصالح السياسية.

فالطفل طفل، والأم أم، والدم دم، والظلم ظلم.

ولهذا كانت الآية حاسمة:

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

ولم يقل الله: اعدلوا مع من تحبون فقط.

فالعدل الذي يتغير عندما تتغير الأسماء ليس عدلًا، والميزان الذي ترجح كفته أمام القوي وتخف أمام الضعيف ليس ميزانًا.

وما أجمل أن نتذكر أن القرآن لم يجعل إقامة القسط أمرًا هامشيًا، بل قال سبحانه:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.

كتابٌ وميزان… لكي يقوم الناس بالقسط.

فالعدل ليس زينةً للأمم، بل أساس بقائها؛ وليس منّةً يقدمها الحاكم لشعبه، ولا المدير لموظفيه، ولا الأب لأبنائه، ولا القاضي للمتخاصمين.

العدل حق.

وكلما اتسعت مسؤولية الإنسان اتسعت دائرة عدله؛ يبدأ من بيته، ثم عمله، ثم مجتمعه، حتى يصل إلى من يختلف معه ويخاصمه.

وقد يستطيع الظالم في الدنيا أن يملك المال، وأن يحتمي بالسلطة، وأن يجد من يبرر له ظلمه، وربما يستطيع أن يهرب من محكمة البشر.

ولكن تبقى محكمة لا يستطيع أحد الهروب منها.

يقول الله تعالى:

﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾.

هناك تسقط الأسماء والألقاب والمناصب، ولا يبقى قوي وضعيف، ولا حاكم ومحكوم، ولا غني وفقير.

يبقى العمل… ويبقى الميزان.

ولهذا، إذا سألك أحدهم يومًا عن العدل، فلا تقل له:

مات عمر.

قل له:

مات عمر، نعم، كما يموت البشر جميعًا، ولكن القيم التي عاش من أجلها لا ينبغي أن تموت بموت أصحابها.

قل له إن العدل يبدأ مني ومنك.

حين أعدل بين أبنائي، فهذا عدل.

وحين أعطي العامل حقه، فهذا عدل.

وحين لا أظلم موظفًا لأنني لا أحبه، فهذا عدل.

وحين أقول الحق ولو كان على نفسي، فهذا عدل.

وحين أرفض أن يكون لدم إنسان قيمة ولدم إنسان آخر قيمة أقل، فهذا عدل.

وحين يقف صاحب السلطة إلى جانب المظلوم ولو كان خصمه، فذلك عدل.

فلا تقل: مات العدل لأن عمر مات.

لقد مات عمر…

لكن رب عمر حيٌّ لا يموت، وكتابه ما زال بين أيدينا يقول لنا:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾.

فالسؤال الحقيقي ليس:

أين عمر؟

بل السؤال الذي ينبغي لكل واحد منا أن يطرحه على نفسه:

أين العدل فينا؟

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24