رواية (نوفيلا ) خيط الدم [الجزء الثاني ]

الكتاب الثاني: شهود الشمس في زمن الحرب

بقلم : رابح بلحمدي _ الجزائر

الفصل الأول: اللسان الذي صار وطناً

لم يكن الحاج العربي الذي عاش أيام المقاومة كما قص ذلك جدي مولاي وهو حفيده يعرف أنه يحمل وطناً في لسانه. كان يعرف فقط أن الحروف دافئة، وأن اللوح الذي تركه حفيده مولاي في زاوية سيدي أحمد الكبير كان لا يزال يبعث حرارة خفيفة كلما اقترب منه أحدهم.
قال لي جدي مولاي مرة، ونحن على سطح البيت جهة البحر : «يا ولدي، الفرنسيون حين دخلوا البليدة لم يخافوا من السيوف. خافوا من شيء آخر. خافوا من الأولاد.»
ضحكتُ. كنت في السابعة، ولم أكن أفهم كيف يخاف جيش من أولاد يجلسون على حصير بالٍ في زاوية صغيرة بوادي الرمان. لكنه لم يضحك. كان يمسح عصاه بكمّه، ثم قال: «الأولاد الذين يحملون الألواح، يا ولدي، ليسوا أولاداً. هم جدران.»
في تلك الأيام، كان سي الطاهر يمشي بين الأطفال في الزاوية كظلّ طويل. كان شيخاً نحيفاً، لحيته بيضاء، وصوته منخفضاً كأنه يخاف أن يوقظ أحداً. كان يقول لهم: «اكتب. الحرف الذي تكتبه اليوم، هو الجدار الذي يحميك غداً.» وكان الأطفال يكتبون بالفحم على الخشب، فيسمع صوت الفحم كأنه مطر خفيف على سقف من قصب.
جاء الحاج العربي بحفيده مولاي في صبيحة باردة. كان مولاي في السابعة، يحمل لوحاً جديداً، ووجهه فيه شيء من وجه أمه العالية: عينان سوداوان، وفم صغير لا يتكلم كثيراً. وقف الحاج العربي عند باب الزاوية ولم يدخل. نظر الشيخ إليه دون أن يلتفت.
— ادخل يا العربي. ابنك ليس أول من يحمل اللوح.
— أريد أن يتعلم.
— كلهم يريدون أن يتعلموا. ثم يكبرون وينسون.
— مولاي لن ينسى.
— ومن أنت لتعرف؟
— راعٍ. أعرف الغنم. وأعرف من سيصمد في الشتاء.
نظر الشيخ إلى الطفل. كان مولاي ينظر إلى الألواح المعلقة على الجدار، وعليها حروف محروقة. مدّ إصبعه نحوها، ثم قال بصوت خافت: «هذه سخنة.»
سكت الشيخ. اقترب من اللوح، لمسه. لم يكن سخناً. نظر إلى العربي، والعربي لم يتغير وجهه. لكنه قال: «الحروف تحمي من يحملها.»
— ومن قال لك هذا؟
— أحد الأجداد ترك لنا كلمة . حين رأى تلمسان تسقط.
قال لي: الأرض إذا سقطت، تُسترد. الحرف إذا سقط، لا يُسترد.
جلس مولاي على الحصير. بدأ يكتب. لم يكن يعرف الكثير من الحروف، لكنه كان يرسمها كما يراها على اللوح الكبير. وحين دخل الضابط الفرنسي بعد ساعات، كان مولاي قد كتب: «لا إله إلا الله». كان الضابط شاباً، أحمر الوجه، ووراءه جنديان. توقف الجميع. نظر الضابط إلى الألواح، ثم إلى الأطفال، ثم إلى الشيخ.
— ماذا تفعلون؟
— نكتب.
— ماذا تكتبون؟
— الحروف.
— أي حروف؟
— الحروف التي تُكتب.
نظر الضابط إلى لوح مولاي. اقترب. قرأ. ثم قال بصوت أعلى: «لماذا تكتبون هذا؟» قال الشيخ: «لأننا لا نعرف كتابة غيره.» نظر الضابط إلى الأطفال. كانوا ينظرون إليه، لا بخوف، بل بفضول. ونظر إلى ألواحهم. كلها كانت تحمل حروفاً. بعضها قرآن، وبعضها شعر، وبعضها أسماء. ثم قال لجندييه: «خذوا الألواح.»
تقدّم الجنديان. لكن مولاي قام، وضمّ لوحه إلى صدره.
— لا.
توقف الضابط. نظر إلى الطفل.
— ماذا قلت؟
— قلت لا.
— أنت تعرف من أنا؟
— أنت …لا أعرفك .
سكت الجميع. حتى الشيخ. ثم انفجر الضابط ضاحكاً. ضحك طويلاً، كأنه يريد أن يخفي شيئاً. ثم أشار لجندييه بالتوقف. خرج. قال الشيخ بعدها، وهو يمسح جبينه: «يا مولاي، ما فعلت؟» قال مولاي: «قال أبي ..قال جدي: صاحب القرآن لا يخاف.
في القليعة، على الساحل، كانت زاوية سيدي علي مبارك ملاذاً للطلبة والفقراء والغرباء. كان الطلبة يأتون من بني صالح، ومن الأطلس البليدي، ومن متيجة، ويحفظون فيها القرآن، والألفية، واللغة. وكان الشيخ يقول لهم: «أنتم لا تحفظون الحروف. أنتم تحفظون أنفسكم. من ينسى لغته، ينسى من هو. ومن ينسى من هو، يصبح عبداً لمن يذكّره.»
وفي مليانة، كانت زاوية سيدي أحمد بن يوسف، الذي تحالف مع عروج وخير الدين ذات يوم، وكان خير الدين يرسل إليه الهدايا الثمينة، ويخصص له جزءاً من الجزية، احتراماً لمقامه. وكان الشيخ يقول لأتباعه: «العلم بلا سيف قد يضيع. والسيف بلا علم قد يطغى. نحن نحمل الاثنين.»
كانت حجوط، وسومتة، وبني مصرى ، وبني صالح، وبني مسعود، قبائلَ اختلطت فيها الدماء: عرب من المعقل، وبربر من مغراوة وزناتة، وأندلسيون هربوا من محاكم التفتيش. وكانت العربية هي اللغة التي جمعتهم. لم تكن لغتهم الأولى، لكنها صارت لغتهم الأخيرة. اللغة التي كتبوا بها، وحفظوا بها، وصلّوا بها. اللغة التي لم يستطع المدفع أن يهدمها.
قال لي جدي مولاي مرة، وهو ينظر إلى الألواح المعلقة في زاوية سيدي أحمد: «الفرنسيون ظنوا أنهم إذا أخذوا الأرض، أخذوا الرؤيا. لكنهم لم يعرفوا أن الرؤيا كانت في الصدور. وفي الحروف.» ثم أضاف، بعد صمت: «وفي العيون.»
الفصل الثاني: العيون التي رأت الشمس بألوان شتى
كانت جدتي العالية زوجة الحاج العربي كما يروى عنها تقول إن العيون في هذه الأرض ليست لوناً واحداً، لأن الدم ليس دماً واحداً. وكانت تقولها وهي تطحن القمح على الحجر، أو تحضر الخبز في التنور، أو تُصلح ضفيرة طفلة صغيرة. كانت عيناها خضراوين كزيتون لم يُعصر بعد، فسماها أهلها «تانيرت»، لأنهم كانوا يعرفون أن الأخضر هو لون الجنة، ولون الزيتون، ولون العشب الذي يغطي قبور الشهداء.
رأى الحاج العربي العالية أول مرة في عرس في بني مصرى. كان في العشرين، طويلاً، عريض المنكبين، ذا لحية سوداء وعيون عسلية. جاء مع عمّه، ولم يكن يرقص. وقف عند حافة الضوء، ينظر. قال له عمّه: «انظر، يا العربي. بنات بني مصرى كلهن هنا. اختر.» ثم ضحك لكن العربي لم يضحك. كان ينظر إلى العالية. لم تكن تغني. كانت تُصلح ضفيرة طفلة صغيرة. وحين رفعت رأسها، التقت عيناها بعينيه. قالت العالية بعدها، لصاحبتها: «رأيت رجلاً بعينين كالقمح.» قالت صاحبتها: «القمح؟» قالت: «نعم. عينان تعرفان متى ينزل المطر.»
بعد أيام، جاء العربي إلى الواد . كانت العالية هناك، تملأ جرّتها. كان الواد صافي رقراق ينساب في شعاب الشريعة.
قال العربي: «الماء هنا لا يُشرب.» قالت العالية: «لماذا؟» قال: «لأن الفيلة شربت منه.» قالت: «الفيلة ماتت.» قال: «لكن الماء يتذكر.» نظرت إليه. ثم ضحكت. قالت: «أنت تتكلم كالشيخ.» قال: «أنا راعٍ. الرعاة يتكلمون مع الماء.» قالت: «وماذا يقول الماء؟» قال: «يقول إن عينيك خضراوان.» سكتت. ثم قالت: «وأنت؟» قال: «أنا؟» قالت: «ماذا تقول عيناك؟» قال: «عيناي لا تتكلمان. عيناي ترعيان.» ضحكت مرة أخرى. لكن هذه المرة، كانت الضحكة أقصر. كانت تعرف أن ما بينهما بدأ.
في تلك الليلة، حين جلست مع جدي مولاي ، سألته: «جدّي، لماذا عيوننا مختلفة؟» قال: «لأن الدم ليس دماً واحداً.» قلت: «لكننا عائلة واحدة.» قال: «نعم. لكن العائلة نهر، والأنهار تأتي من جبال كثيرة.» قلت: «عيون جدتي خضراء.» قال: «لأن دمها من الزيتون.» قلت: «وعيونك؟» قال: «عسلية. من الشمس.» قلت: «وعيوني؟» نظر إليّ طويلاً. قال: «عيونك سوداء. من الليل.» قلت: «وأخي؟» قال: «أخوك أزرق. من السماء قبل المغيب.» قلت: «لماذا؟» قال: «لأن في دمه جدّة من الوندال. أو من سبايا الرومان. لا أحد يعرف. الدم ينسى، والعين تتذكر.»
كانت الفتيات في بني مصري يضعن الكحل من حجر أسود، ويضفرن الشعر بالحناء، ويقلن إن الشعر الأسود هو ليل الرؤيا، والعيون العسلية هي شمس الرؤيا. وأي فتاة تُولد بعينين خضراوين، كانت تُسمى تانيرت. وكانت العالية تانيرت. وكانت تعرف ذلك. وكانت تعرف أيضاً أن العيون الخضراء لا تعني شيئاً إن لم يكن صاحبها يحمل الرؤيا.
قالت العالية مرة، وهي تنظر إلى يدها: «العين لا تكذب. الفم يكذب، واليد تكذب، لكن العين تحكي ما في الدم.» وكان العربي يجلس قربها، ينظر إلى يدها. قالت: «ماذا تنظر؟» قال: «يدك.» قالت: «يد راعية.» قال: «يد تحمل الجرّة.» قالت: «وأنت؟» قال: «أنا أحمل العصا.» قالت: «الفرق؟» قال: «العصا تحمي. الجرّة تسقي. وأنا أحتاج من يسقي.» نظرت إليه. ثم وضعت الجرّة على الطاولة. قالت: «إذن اشرب.» شرب. وكان الماء بارداً. وكانت العينان خضراوين.
الفصل الثالث: معركة وادي العلايق، حين قطعوا رؤوس الغزاة
كانت ليلة بلا قمر. كان الضباب يغطي السهل كأنه كفن. وكان الحاج العربي مع الرجال، يحمل بندقية قديمة. لم يكن خائفاً، لكنه كان يفكر في العالية. كانت حاملاً. وكان يعرف أن الحرب لا تفرق بين من يحمل ومن لا يحمل.
جاء محمد بن علال، خليفة الأمير عبد القادر على مليانة، ومعه أحمد بن سالم، ومعه رجال من الحجاجطة، وبومرزاق، ورجال من بني صالح، وفرسان من بني مسعود وسكان جبال موزاية . جاءوا في تلك الليلة، والضباب يغطي السهل. كان الفرنسيون قد بنوا ثكنة في الوادي، على حافة المستنقعات. وكانت الثكنة محاطة بالأسلاك، وفيها مدفعان، ومائة جندي. وكانوا يظنون أنهم في أمان. لأنهم لم يعرفوا أن الأرض نفسها كانت تتكلم مع المقاومين.
قال محمد بن علال لرجاله: «اليوم، لا نأخذ أسرى. اليوم، نقطع الرؤوس.» قال العربي: «هل الجميع مستعد؟» قال ابن علال: «نعم.» قال: «هل تعرف الطريق؟» قال: «أعرف كل شبر. رعيت الغنم هنا عشر سنوات.» نظر العربي إلى الثكنة. كان يسمع ضحك الجنود. كانوا يشربون، ويغنون أغنية فرنسية. ثم سمع صوت الأذان في القرية البعيدة. سكت الجميع. عرفوا أن الفجر قريب. قال العربي، هامساً: «الفجر لا يأتي اليوم.» قال ابن علال: «لماذا؟» قال: «لأننا سنصنعه.»
زحفوا. كانوا يعرفون كل شبر في الوادي، لأنهم رعاة فيه. وكان الفرنسيون لا يعرفون إلا الخرائط. كان الحجاجطة في المقدمة، لأنهم كانوا يعرفون كيف يقاتلون في المستنقعات. وكان بنو صالح يقطعون الطريق على الهاربين. وكان بومرزاق يرمي بالنار على الخيام. اقتحموا الثكنة من ثلاث جهات. كان الصراخ بالفرنسية. كان الدم يسيل. وفي دقائق، تحولت الثكنة إلى مسلخ.
وقف الحاج العربي وسط الدم. كان ينظر إلى يده. كانت ملطخة. لم يكن دمه. لكنه كان دافئاً. قال ابن علال: «ما بك؟» قال: «لا شيء.» قال: «الدم؟» قال: «الدم له ألوان.» قال: «ماذا تقصد؟» قال: «رأيت دماً أسود، ودماً عسلياً، ودماً أخضر.» قال: «أنت مجنون.» قال: «لا. أنا أرى.» وكان يقولها بصوت منخفض، كأنه يخاف أن يسمعه أحد. لكنه كان يراها حقاً. كان يرى دم الحجاجطة أسود كالليل، ودم بني صالح عسلياً كالشمس، ودم بني مسعود أخضر كالزيتون. كان يرى دم هذه الأرض.
عاد إلى البيت قبل الفجر. كانت العالية مستيقظة. كانت تعرف. قالت: «هل انتهى؟» قال: «انتهى.» قالت: «هل أنت بخير؟» قال: «نعم.» قالت: «يدك…» نظر إلى يده. كان الدم قد جفّ. غسله. لكنه لم يخرج من رأسه. قال: «العالية، هل تعرفين لماذا نقاتل؟» قالت: «من أجل الأرض.» قال: «لا. من أجل أن يبقى الدم دافئاً.» قالت: «الدم دافئ دائماً.» قال: «لا. الدم يبرد إذا نُسي. ونحن لا نريد أن ننسى.» وضعت العالية يدها على يده. كانت دافئة.
في تلك الليلة، حين وصل الخبر إلى العاصمة، ارتجف الفرنسيون. لأنهم عرفوا أن متيجة ليست أرضاً سهلة. وأن الرؤيا ليست في الكتب، بل في القلوب التي تحمل السيف.
بعد سنوات، حين كنت في العاشرة ، جلست مع جدي مولاي على السطح. سألته: «جدّي، هل قتلت أحداً؟» سكت طويلاً. ثم قال: «نعم.» قال كنت رفقة بونعامة في طريقنا الى ضواحي البليدة في حرب التحرير قلت: «هل تحزن؟» قال: «لا. لكنني لا أنسى.» قلت: «ما الفرق؟» قال: «الحزن يذهب. الذكرى تبقى.» قلت: «وهل كانت المعركة صعبة؟» قال: «كانت سهلة.» قلت: «لماذا؟» قال: «لأنهم لم يعرفوا الأرض. ونحن كنا الأرض.»
الفصل الرابع: الأمير عبد القادر، حين عادت الرؤيا على ظهر حصان
لم يكن الأمير عبد القادر ملكاً. كان عالماً، وشاعراً، ورجلاً يعرف أن الإسلام ليس عادة، بل رؤيا. وحين رأى الفرنسيين يدخلون، لم يقل: ماذا أفعل؟ بل قال: هذه أرضي، وهذه رؤياي، ولن أبيعها.
كان الحاج العربي واقفاً على حافة الطريق بجبل شفة حيث زاوية سيدي المدني . كان ينتظر. وصل خبر أن الأمير سيمر قادما من مليانة وسيبني برجا لمراقبة العدو . لم يكن الحاج العربي من أتباعه، لكنه كان يريد أن يرى. جاء الموكب. كان الأمير على حصان أبيض. كان نحيفاً، ولحيته طويلة. وحين مرّ، توقف الحصان. كان الحاج العربي على بعد خطوات. نظر الأمير إليه.
— أنت من هنا؟
— من متيجة.
— ماذا تفعل؟
— أرعى.
— الغنم؟
— والأرض.
ابتسم الأمير. ثم قال: «الأرض لا تُرعى. الأرض تُحفظ.» قال الحاج العربي: «وكيف تُحفظ؟» قال: «بالعلم. والسيف.» قال: «وأيهما أسبق؟» قال: «العلم. لأن السيف بلا علم يجرح صاحبه.»
نظر العربي إلى الحصان. كان الحصان ينظر إليه أيضاً. عيناه كانتا تعرفان شيئاً. قال الحاج العربي: «حصانك يعرف.» قال الأمير: «ماذا يعرف؟» قال: «يعرف أنك ستُهزم.» سكت الأمير. ثم قال: «وكيف عرفت؟» قال: «من عين الحصان. الحصان يرى ما لا يراه الرجل.» سكت الأمير. ثم قال: «أنا لا أقاتل لأفوز. أنا أقاتل لأزرع.» قال العربي: «ماذا تزرع؟» قال: «الرؤيا.» نظر الحاج العربي إلى الأرض. ثم قال: «إذن الأرض ستقبل الزرع.»
حارب الأمير سبعة عشر عاماً. وقعت فرنسا معه معاهدة ديمبشال ثم التافنة. لكنه هُزم في النهاية بسبب الخونة الذين يحملون روح الغدر. قال جدي العربي، وهو يرى عبد القادر يُنقل إلى المنفى: «عبد القادر لم يُهزم. زرع الرؤيا في القلوب. وحين تُزرع الرؤيا في القلوب، لا يمكن اقتلاعها.»
في الليل، في البيت، قالت العالية: «رأيته؟» قال: «رأيته.» قالت: «كيف كان؟» قال: «كان عالماً. لكنه كان يحمل سيفاً.» قالت: «هل هذا ممكن؟» قال: «نعم. لأن السيف الذي يحمله عالم، لا يجرح. يزرع.» قالت: «وهل سينتصر؟» قال: «لا.» قالت: «لماذا؟» قال: «لأن الخونة كثيرون. والخيانة تُهزم قبل السيف.» قالت: «إذن لماذا يقاتل؟» قال: «لأن الرؤيا لا تُهزم.»
الفصل الخامس: المقراني، حين صارت الرؤيا دماً
بعد الأمير عبد القادر، جاءت المقاومات الشعبية. جاء المقراني في جبال جرجرة. كان من عائلة عريقة، لكنه لم يحمل الرؤيا بالوراثة فقط. حملها بالإيمان. وحين رأى الفرنسيين يستولون على الأرض، ويجعلون الجزائريين مواطنين من الدرجة الثانية، قال لقومه: «إما النصر أو الموت. لن نترك أرضنا. لن نترك رؤيانا.»
كان الحاج العربي يجلس مع ابنه مولاي في البيت حين جاء رجل من جبال جرجرة، يحمل خبراً. كان مولاي في الخامسة من عمره . قال الرجل: «المقراني قُتل.» سكت الجميع. ثم قال الحاج العربي: «كيف؟» قال: «مثلوا بجثمانه. قطعوا رأسه. طافوا به في القرى.» نظر العربي إلى يده. كانت ترتجف. قال مولاي: «لماذا يفعلون هذا؟» قال الحاج العربي: «لأنهم يخافون.» قال: «من رجل ميت؟» قال: «من رجل حي في الدم.» قال: «ماذا يعني؟» قال: «يعني أن المقراني لم يمت. المقراني زرع الرؤيا في الدم. والدم لا ينسى.»
في تلك الليلة، كانت العالية تطحن القمح. والعربي جالس، ينظر إلى الحجر. قالت: «ماذا تنظر؟» قال: «الحجر.» قالت: «حجر عادي.» قال: «لا. هذا الحجر طحن قمح آبائنا. وهو يطحن قمحنا. وسيطحن قمح أبنائنا.» قالت: «وماذا يعني؟» قال: «يعني أن الأرض لا تموت. حتى لو مات أهلها.» قالت: «وهل مات أهلها؟» قال: «كثيرون.» قالت: «وأنت؟» قال: «أنا ما زلت أطحن.»
الفصل السادس: لالة فاطمة نسومر، حين حملت المرأة الرؤيا
في تلك الثورة، لم يكن المقراني وحده. كانت هناك امرأة. امرأة من نسل آمناي، لكنها لم تكن من نسل تانيرت فقط. كانت من نسل كل النساء اللواتي حملن الرؤيا حين تخلى عنها الرجال.
كانت لالة فاطمة نسومر. لم تكن ملكة، ولا ساحرة. كانت امرأة صوفية، تعبد الله، وتحمي الضعفاء. وحين جاء الفرنسيون إلى قريتها، لم تنتظر. حملت السيف. لم يكن سيفاً من حديد فقط، كان سيفاً من إيمان. وحين قادت المقاومة، لم تكن تقاتل من أجل الأرض فقط. كانت تقاتل من أجل الرؤيا. رؤيا أن هذه الأرض لا يمكن أن تُحكم بالحديد والنار.
قالت لقومها: «أنتم تعرفون من أنا. أنا امرأة. لكنني أحمل رؤيا. والرؤيا لا جنس لها. الرؤيا لا تعرف إن كنت رجلاً أو امرأة. الرؤيا تعرف فقط إن كنت تحملها أم تبيعها. وأنا لن أبيعها.» وحين أُخذت إلى الأسر، لم تنكسر. ظلت تقول: «الرؤيا لا تموت. الرؤيا تتنفس في الدم.»
كانت العالية تسمع خبر لالة فاطمة. جاءت امرأة من القبيلة، تحكي. قالت: «لالة فاطمة تقاتل في الجبال. يقولون إنها تحمل سيفاً.» قالت العالية: «امرأة؟» قالت: «نعم. امرأة.» نظرت العالية إلى يديها. كانتا تعرفان الطحن والخبز. لكنهما لم تعرفا السيف. قال العربي، وهو بجانبها : «ماذا تفكرين؟» قالت: «أفكر… لو كنت مكانها؟» قال: «ماذا كنت تفعلين؟» قالت: «لا أعرف.» قال: «أنت تفعلين.» قالت: «ماذا؟» قال: «تحملين الرؤيا. لكن بطريقة أخرى.»
في الليل، قالت العالية: «العربي، هل تعرف لالة فاطمة؟» قال: «لا. لكنني أعرف من يحمل الرؤيا.» قالت: «وكيف تعرف؟» قال: «من العينين.» قالت: «ماذا ترى فيهما؟» قال: «ترى شيئاً لا ينطفئ.» نظرت العالية إلى عينيها في المرآة. كانتا خضراوين. لم تكن تعرف إن كانت تحمل الرؤيا. لكنها كانت تعرف أنها لن تبيع.
الفصل السابع: زبانة، حين صعدت الرؤيا إلى المشنقة
بعد المقراني، وبعد لالة فاطمة، جاء جيل جديد. جيل لم يعرف الأتراك، ولا عبد القادر، ولا المقراني. جيل وُلد في ظل الاحتلال، وتربى على الذل، لكنه لم ينسَ الرؤيا.
كان جدي مولاي جالساً مع أصدقائه في البيت. كانوا يسمعون خبر إعدام زبانة. كان صوت المذياع ضعيفاً. قال صديق: «أعدم اليوم.» قال مولاي: «من؟» قال: «زبانة.» سكت الجميع. ثم قال مولاي: «هل كان بربرياً؟» قال: «لا.» قال: «عربياً؟» قال: «لا.» قال: «أندلسياً؟» قال: «لا.» قال: «إذن من كان؟» قال: «كان جزائرياً.» سكت مولاي. ثم قال: «إذن نحن كلنا زبانة.»
كان زبانة شاباً. لكنه كان يحمل الرؤيا. وحين قرر أن يقاوم، لم يكن يملك جيشاً. كان يملك بندقية، وقنبلة، وقلباً. وحين ألقي القبض عليه، وحُكم عليه بالإعدام، لم يخاف. قال: «أنا لا أموت من أجل الجزائر فحسب. أنا أموت من أجل الكلمة. والكلمة خالدة لا تموت.» وحين صعد إلى المشنقة، كان يبتسم. ويقولون إنه قال كلمة واحدة قبل أن يُشنق: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، تحيا الجزائر.» وكانت هذه الكلمة، في ذلك الزمن، جريمة. لكنها كانت أيضاً رؤيا.
قال جدي مولاي، وهو يسمع خبر إعدام زبانة في البليدة: «زبانة لم يمت. زبانة صعد إلى المشنقة، لكن الرؤيا صعدت معه. وحين نزلت، نزلت في دمنا .»
سألت جدي مولاي وما هي أخبار أبي أحمد فأجاب قد يعود يوما إذا طال عمره أو يكون مع الشهداء العربي بن مهيدي وديدوش والحواس وغيرهم ،سي أحمد عندما خرج قال لي يا أبي :إما النصر أو الشهادة ……
الفصل الثامن: حين أشرقت الشمس
في صيف جميل أشرقت الشمس. أشرقت على أرضٍ مزقتها الحرب، لكنها كانت حرة. كان جدي مولاي شيخا كبيرا جالساً أمام المذياع، يسمع صوت الرئيس يقول: «الجزائر مستقلة.» بكى. لم يبكِ من الفرح فقط، بل من الذكرى. تذكر أبي أحمد الذي لم يرجع مع المحاربين قبره مفقود وأجداده الذين لم يعيشوا هذه اللحظة. تذكر آمناي، الذي رأى في ليلة لا قمر فيها شمساً تشرق من المشرق. تذكر كسيلة، الذي نكث ومات. تذكر ديهيا، التي حاربت الإسلام وماتت. تذكر طارق، الذي عبر المضيق. تذكر جده الذي استنجد بالأتراك. تذكر جده الذي رأى الفرنسيين يدخلون. تذكر كل الذين حملوا الرؤيا، وماتوا وهم يحملونها. تذكر جدي العربي و جدة العالية. لكن جدي مولاي سمعه.
كنت حينها شابا يافعا انتظر عودت أبي عليه رحمة الله تعالى. جلست قرب جدي . لم أفهم لماذا يبكي. قلت: «جدي ، لماذا تبكي؟» قال: «لأنني أسمع ما لم يسمعوه.» قلت: «ماذا سمعوا؟» قال: «سمعوا البحر. سمعوا الحمى. سمعوا الماء. لكنهم لم يسمعوا هذا.» قلت: «وهذا؟» قال: «هذا صوت الرؤيا.»
تمت

تمت

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24