سفينةٌ تبحث عن البوصلة، وحاكمٌ ينادي النخبة: حكاية العقل العربي من الجابري إلى الرئيس عبد المجيد تبون

بقلم: بلحمدي رابح

في كل جلسة قهوة عربية — من الدار البيضاء إلى عمّان — يتكرر السؤال ذاته كأنه تسجيل قديم أُعيد تشغيله: «لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟». وحين يبدأ الجواب، تبدأ معه الطقوس: واحد يلعن الاستعمار، وآخر يلعن الدين، وثالث يلعن «الغرب الكافر»، ورابع يلعنهما جميعًا ثم يطلب فنجانًا آخر. أما العقل العربي نفسه — موضوع الجلسة — فلم يُستدعَ إلى الطاولة. إنه في الحقيقة مشغول جدًا في الخارج، ينتظر إذنًا لدخول التاريخ.

فؤاد زكريا (1927–2010) لم يكن نبيًا ولا مهديًا، بل أستاذ فلسفة مصري وضع يده على الجرح بلا قفازات معقّمة. قال بصراحة مزعجة: العقل الغربي يتحرك في اتجاه مزيد من الحرية وكسر التابوهات، أما العقل العربي فمشغول ببرنامج يومي مختلف: تقييد، تضييق، تحريم، وتكميم. ولماذا؟ لأن هناك سُلطتين تتقاسمان الفاتورة: سلطة دينية تظن أنها تملك الحقيقة المطلقة، وسلطة سياسية تنقل التفكير نيابةً عن الناس كما تُنقل الأثاث. ثم قال زكريا جملته الأخطر: العقل العربي وصل إلى مرحلة لا يجد فيها غرابة في أن يؤمن بالشيء ونقيضه «بين ليلة وضحاها».

المفكر الإيراني مصطفى ملكيان توقف عند لغزٍ محرج: كيف وصلنا إلى العصر الذهبي في الطب والرياضيات والفلك، ثم انطفأ المشروع في القرن الخامس الهجري كشمعة نفد زيتها؟ ووضع ثلاثة عوامل: غياب الرغبة في تغيير العالم الخارجي، وتهميش السلطة للعلماء، وانتشار النزعة العرفانية. وكلها أسباب وجيهة ، لكنها لا تزال تُدرس في ندوات تُدعى «مؤتمرات نهضة».

شكيب أرسلان (1869–1946) كتب كتابًا بعنوان يبدو مستفزًا حتى اليوم: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟». وحدّد سببين: الأول أن الإيمان الصادق غاب وحلّت محله الطقوس والقشور. والثاني هو «الجاهل المركّب» — وهو مصطلح يستحق أن يُطبع على قمصان — حيث لا يعرف أنه لا يعرف، بل يظن أن لا أحد يعرف مثله. لكن خلاصته الأهم: الإسلام ليس هو العائق، بل الفكر الجامد الذي يعتبر كل قديم تراثًا مقدسًا وكل جديد خيانة.

محمد عابد الجابري (1935–2010) لم يكتفِ بالشكوى، بل شرّح الجثة. في رباعيته الشهيرة قال إن الحضارة العربية الإسلامية صارت «حضارة النص»، وإن العقل العربي مرتبط عضويًا باللغة والفقه وعلوم البيان. وذهب إلى مقارنة ذكية: الإمام الشافعي حين وضع قواعد أصول الفقه صنع للعقل العربي ما صنعه ديكارت للعقل الغربي حين وضع قواعد المنهج. ثم حدث ما حدث: أُغلق باب الاجتهاد، وتحول العقل من مهندس إلى حامل أمتعة. وهنا المفتاح الذي يذهلني كل مرة: العقل كان يشرّع للنص، فانقلب النص يشرّع للعقل. فأنتجنا عقلاً نصيًا لا يقرأ الزمن، بل يقرأ ذاته بصوت مرتفع.

محمد أركون (1928–2010) كان أكثر جسارة، فأنكر أن «العقل الإسلامي» جوهر ثابت، وقال إنه نتاج تاريخي متغير. وفتح باب «اللامفكر فيه» و«المسكوت عنه»: تلك المسائل التي جرى تحييدها لا لأنها خطر على الإيمان، بل لأنها خطر على السلطة. لكن هنا أختلف مع أركون في الدرجة لا في الاتجاه: من حقّنا أن ننقد، لا أن نتفكّك. النقد الذي يقطع الجذور ليس تحريرًا، بل نزيف.

مالك بن نبي (1905–1973) هو الأقرب إلى قلبي. لم يقل «الاستعمار فعل بنا»، قال شيئًا أكثر إهانة: إن الاستعمار لم ينجح إلا بسبب قابلية للاستعمار موجودة فينا. وشرح دورة الحضارة: فكرة فعّالة ← ثقافة ← عمل ومنظومة علاقات. وأخطر ما كتبه كان عن «الأفكار الميتة»: أفكار نحملها كالحُلي، لا تنتج حركة، ولا تغيّر شارعًا واحدًا. وبيننا اليوم ملايين الأفكار الميتة تُوزّع في ندوات مؤتمرات تُدعى «مؤتمرات نهضة».

ثم جاء نور الدين السد، مفكر وأكاديمي جزائري معاصر، صاحب مشروع «الراهن والمشروع البديل: قراءة في الفكر العربي الحديث والمعاصر». لا يكتب تاريخًا للفكر العربي، بل يقرأ مشاريع النهضة قراءة نقدية تركيبية، ليستخرج منها ما يمكن تحويله إلى آليات لبناء البديل الحضاري.

سؤاله المركزي ليس: «لماذا تأخرنا؟» فقط، بل: لماذا لم تتحول كثافة المشاريع الفكرية والفلسفية العربية إلى نهضة حضارية متصلة؟ ثم ينتقل إلى سؤال أعمق: كيف نبني منظومة تجعل الفعل الحضاري قابلاً للإنتاج والتراكم والاستمرار؟

اعتمد السد مفاهيم جديدة: علم الأزمة الحضارية (البحث في آليات إعادة إنتاج التخلف)، والهندسة الحضارية (بناء العلاقات الوظيفية بين التعليم والعلم والبحث والابتكار والإنتاج والمؤسسة والدولة والثقافة)، والذكاء الحضاري (قدرة المجتمع على فهم التحولات واستباقها)، والقدرة الحضارية (الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها).

وخرج بنتيجة صادمة: الأزمة العربية ليست أزمة أفكار، بل أزمة انقطاع السلسلة بين الفكرة والقدرة. الفكر العربي أنتج كثافة هائلة من المشاريع، لكنه لم يحوّلها إلى منظومات مؤسسية، ثم إلى سياسات، ثم إلى إنتاج علمي وتقني واقتصادي، ثم إلى تراكم حضاري. ولهذا فإن «المشروع البديل» عنده لا يعني استنساخ أجوبة السابقين، بل بناء سلسلة جديدة: إصلاح التعليم ← بناء العقل ← إنتاج المعرفة ← الابتكار ← الإنتاج ← القوة الاقتصادية والتقنية ← الاستقلال الحضاري.

وهنا ننتقل من الكتب إلى الواقع، من التنظير إلى القصر الرئاسي. في 27 سبتمبر 2026، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أعضاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، وهو هيئة استشارية عليا تضم 27 عالمًا وكفاءة جزائرية بارزة على الصعيد الدولي. ومن بين هؤلاء: إلياس زرهوني (الهندسة الطبية الحيوية)، وبلقاسم حبة (صاحب أكثر من ألف براءة اختراع)، وكريم زغيب (خبير بطاريات الليثيوم)، وياسمين بلقايد (مديرة معهد باستور)، وكمال يوسف تومي (الهندسة الميكانيكية)، وغيرهم من العباقرة في مجالات الذكاء الاصطناعي والفيزياء والطب والمعلوماتية.

وقال الرئيس تبون مخاطبًا إياهم بلهجة لا تخلو من فخر: «شرف لي أن ألتقي بكم، أنتم نخبة النخبة في جميع الميادين». وأضاف: «مستوى التنمية الذي تطمح له الجزائر أصبح يتطلب مثل هذا الحضور للمرور إلى مرحلة أخرى رفقتكم». وأكد أن الجزائر بلد شاب بأغلبية سكانه، حاثًا هذه النخبة على تأطير الأجيال الجديدة والمساهمة في مسار تنمية البلاد.

وشرح وزير التعليم العالي كمال بداري أن إنشاء هذا المجلس يهدف إلى الانتقال من «العلاقات الظرفية والاتصالات المتقطعة إلى شراكة مؤسسية دائمة»، وأن هؤلاء العباقرة يمكن تعبئتهم في خمسة مجالات استراتيجية: الأمن السيبراني، والأمن الطاقوي، والأمن الصحي، والأمن الغذائي، والأمن المائي. وقال إن الجزائر تمتلك «خزانًا هائلًا من الأدمغة والخبرات قادرًا على إعطاء دفعة قوية لعملية التحديث المؤسسي والتكنولوجي للبلاد».

لو كان نور الدين السد حاضرًا في القاعة، لربما ابتسم ابتسامة ساخرة حزينة. ليس لأنه لا يقدّر العباقرة — فهو أول من يعترف بكفاءاتهم — بل لأنه سيسأل السؤال الذي يلخص مشروعه كله:

هل هذا اللقاء هو بداية الهندسة الحضارية، أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة «الأفكار الميتة» التي حذّر منها بن نبي؟

السد لا يشك في نوايا الرئيس، لكنه يشك في البنية. هو نفسه قال إن النقد الحقيقي للمشاريع النهضوية ليس رفضها، وإنما إكمالها. فمحمد عبده حرّر سؤال النهضة من أسر الجمود، والمشروع البديل مطالب بتحرير النهضة نفسها من أسر الاستهلاك. والسؤال الآن: هل سيتحول هذا المجلس من هيئة استشارية إلى منظومة إنتاج معرفي؟ هل ستدخل أفكار هؤلاء العباقرة في دورة حضارية متصلة: بحث ← ابتكار ← إنتاج ← تسويق ← ثروة ← تمويل بحث جديد؟ أم سيبقى الأمر «شرف لي أن ألتقي بكم»… ثم يعود كل عالم إلى مختبره في الخارج، وتعود الجزائر إلى انتظار «المرحلة الأخرى» التي لا تأتي؟

رأيي: التيه الثقافي… ليس أن نضيع الطريق، بل أن نقنع أنفسنا أننا في الطريق الصحيح

كل هؤلاء المفكرين — من الطهطاوي إلى السد — قالوا أشياءً صحيحة، لكنهم جميعًا تركوا المفتاح معلقًا في الباب. رأيي أن المشكلة ليست نقص معرفة، بل فقدان البوصلة والغاية.

التيه ليس أن نضيع الطريق، بل أن نقنع أنسفنا أننا نسير في الاتجاه الصحيح.

انفصال العقل عن الغيب هو جوهر التيه: عقل يرفض الغيب باسم التنوير، ثم يشكو الفراغ، ويستغرب القلق، ويسائل المعنى، كمن حطّم بئره ثم عاتب السماء لأنها لا تمطر.

العقل أعظم أدوات الإنسان، لكنه ليس إلهًا. العقل بلا غاية كسفينة تمخر البحر بلا بوصلة: تُبحر ببراعة، وتصل إلى لا شيء، بثقة كاملة.

الإيمان بالغيب لا يلغي العقل، بل ينقذه من الانتحار، ويُعيده عبدًا للحق لا سيّدًا عليه.

الشك تحوّل من أداة منهجية إلى عقيدة، والنسبية رُفعت إلى مقام الأصل، وصار اليقين تهمة. وأنتجنا مثقفًا مأزومًا يجلد دينه بدل أن يميّز بين النص والانحراف عنه.

وفي المقابل، أزمة المثقف أكبر من أزمة الحاكم: كثُر الكُتّاب، وقلّ المثقفون. المثقف ليس من يقرأ كثيرًا، بل من يرى أبعد، ويخاطر أكثر، ويدفع ثمنًا أعلى. أما اليوم فقد تحوّل كثير منهم إلى «مثقف ادّعاء»: يتحدث باسم التقدم وهو معزول عن وجدان شعبه.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مجاملة: الروح الإسلامية هي الخيط الجامع بين اليمين واليسار والقومي والعلماني، وهي التي تمنح النهضة جذورها. لا معنى لنهضة بلا جذور، ولا معنى لجذور لا تُنتج ثمرًا. والمدرسة الإصلاحية الجزائرية — ابن باديس، الإبراهيمي، التبسي، الميلي — لم تجعل الإسلام عدوًا للعقل، ولا العقل عدوًا للإسلام، وهذه هي المعادلة التي ضاعت بين شقّين متطرفين: من يُقدّس التراث حتى يخنق العقل، ومن يقدّس العقل حتى يحرق التراث.

المشكلة ليست في الإسلام، ولا في الغرب، ولا في الاستعمار وحده، ولا في الحداثة وحدها. المشكلة في علاقة مكسورة بين أربعة عناصر:

دين بلا روحه، وعقل بلا غايته، وثقافة بلا مقاومة، وحرية بلا مسؤولية.

والعلاج ليس ثورة تُسقط عرشًا فتقع في عرش آخر، بل مشروع وجودي ومعرفي متدرّج:

نقد العقل من داخله، بلا تمجيد ولا تفكيك انتحاري.

استعادة الغاية: عقل يعرف إلى أين يسير.

تربية العقل على الوحي، لا على الخوف من الوحي ولا على الاستغناء عنه.

تحرير المثقف من وظيفته الخطابية، وإعادته شاهدًا على الحقيقة.

بناء الفكرة، ثم الثقافة، ثم العمل — بهذا الترتيب الذي علّمنا إياه بن نبي، لا بالعكس.

نحن لا نحتاج مزيدًا من الأفكار عن النهضة. نحن نحتاج فكرةً واحدة حيّة، ثم رجلًا واحدًا يصدّقها، ثم رجلين، ثم شعبًا.

أما وقد فتحنا النافذة… فلنسمح للعقل بالدخول. الأمر ليس إباحيًا كما يخيّل للبعض. الفكرة فقط هي التي تخيف السجانين.

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24