بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
أصدقاء من الزمن الجميل
هناك أصدقاء نلتقي بهم في الحياة، فنقول: كان لقاءً جميلًا وانتهى.
وهناك أصدقاء آخرون لا ينتهي لقاؤنا بهم حتى لو باعدت بيننا السنوات والمسافات؛ لأنهم ببساطة لم يكونوا أصدقاء عابرين، بل كانوا جزءًا من العمر، ورفاقًا في الطريق، وبعضهم كان فارسًا من فرسان الذاكرة.
وعندما أتذكر أصدقائي، لا أتذكر مجرد أشخاص عرفتهم في مراحل مختلفة من حياتي، بل أتذكر مواقف، وضحكات، ومغامرات، وأحاديث طويلة، وأيامًا لو عاد بنا الزمن لما اكتفينا بأن نعيشها مرة واحدة.
والأجمل من ذلك كله أننا، رغم مرور السنوات الطويلة، ما زلنا نلتقي وكأن الزمن لم يستطع أن يغيّرنا.
لذلك قررت أن أحدثكم عن بعض هؤلاء الأصدقاء، على جزأين؛ لأن الحكاية طويلة، والأصدقاء الذين يستحقون الذكر أكثر من أن تجمعهم ورقة واحدة.
سالم هلال الشامسي
أكثر الرجال وسامة وهيبة!
أبو راشد، ذلك الصديق الذي لا أنسى مواقفه الجميلة معي.
أتذكر ذات ليلة كنت فيها ساهرًا، وكانت الكتابة في بداياتها تشدني إليها شيئًا فشيئًا، فإذا بالهاتف ينبهني برسالة عبر تطبيق الواتساب.
فتحت المحادثة، فإذا بي أمام شخصية أنيقة في حديثها، لبقة في كلماتها، تتحدث عن الثقافة والشعر وجمال الكلمة.
ومن تلك المحادثة بدأت صداقة لم تكن في الحسبان.
وأحيانًا، أجمل الصداقات تبدأ من رسالة لا نعرف وقتها أنها ستصبح ذكرى عمر!
الفنان عبدالعزيز العلوي
عبدالعزيز ليس مجرد صديق؛ إنه أحد أصدقاء الطفولة.
كنا من أبناء حارة القاضي، تلك الحارة التي احتضنت جيلًا أعتز به كثيرًا، جيلًا كبرنا فيه معًا، وتربينا فيه على معنى الصداقة الحقيقية.
في ذلك الزمن، لم تكن الصداقة كلمة نكتبها في منشور، ولا صورة نضع تحتها عبارة: «أجمل صديق».
كانت الصداقة موقفًا، ووقفة، ووفاءً، وسؤالًا عن الغائب قبل الحاضر.
وكنا نؤمن أن الصداقة من أجمل هدايا الله عز وجل إلى البشرية.
محمد العراقي
كثير من قراء مذكراتي يعرفون محمد من خلال حكاياتي السابقة.
صاحب العيون الخضراء، وصديق العمر، ورفيق المغامرات.
ومحمد من أولئك الأشخاص الذين إذا دخلوا حياتك، لا يعودون مجرد أصدقاء؛ بل يصبحون جزءًا من أرشيفك السري!
وأنا لدي أرشيف طويل جدًا… ولو فتحته كله ربما اضطررت إلى إصدار المذكرات في عشرين جزءًا!
محمد الحوسني
محمد شخصية راقية، هادئة، وأنيقة في حضورها وحديثها.
قد أختلف معه أحيانًا، وهذا طبيعي بين الأصدقاء، فالاختلاف لا يفسد للود قضية.
لكنني أتفق معه في شيء واحد لا خلاف عليه:
أنه من أجمل الأصدقاء خلقًا واحترامًا.
وهذه صفة لا تشتريها السنوات، ولا تمنحها الشهرة، ولا يصنعها المال؛ إنما يصنعها الإنسان بنفسه.
الشاعر الراقي راشد بن عامر السلماني
لا أستطيع أن أصف هذا الصديق العزيز بكلمات قليلة.
راشد يشبه المطر؛ أينما حلّ زرع الفرح.
وفي حضوره شيء يجعلك تشعر بأن الحياة ما زالت بخير، وأن هناك أشخاصًا يكفي وجودهم ليصبح المكان أجمل.
علي بن سالم العلوي
عندما أزور صور، أشتاق إلى ثلاثة أشياء:
البحر… والعيجة… وصديقي أبو عبدالله.
ولن أقول إن علي مجرد صديق، لأن بعض الأصدقاء تتجاوز علاقتك بهم حدود الصداقة.
أبو عبدالله أخٌ ارتدى ثياب صديق.
وهذه من أجمل العلاقات التي يمكن أن يمنحك إياها العمر.
الشاعر أحمد العلوي
أحمد شاعر من الطراز الرفيع.
وهو ليس صديقي فقط، بل بيننا أيضًا صلة نسب.
وهنا أريد أن أقول سرًا صغيرًا…
عندما عرفت أحمد، كنت قارئًا للشعر، لكن مع استماعي إلى شعره أصبحت أكثر استمتاعًا بالشعر، وأكثر تذوقًا له.
وهنا عرفت أن بعض الأصدقاء لا يضيفون إلى حياتك الذكريات فقط، بل يضيفون إليها شيئًا جديدًا من المعرفة والجمال.
الصحفي صلاح سعيد العبري
شخصية هادئة، وقورة، ومحترمة.
من الشخصيات التي تلفت انتباهك إليها دون أن تحاول ذلك.
وله صفة جميلة جدًا:
يقرأ ما تقوله دون أن تقوله.
وهذه موهبة نادرة!
فبعض الناس يحتاجون إلى شرح طويل حتى يفهموك، بينما صلاح قد يفهم نصف الحكاية من نظرة واحدة… وربما لهذا السبب كنت حذرًا عندما أجلس معه!
ناصر صلاح الكعبي
هناك شخصيات تقف عندها طويلًا، وناصر واحد منها.
شخصية مثقفة، واعية، كريمة، ولها حضور وكاريزما واضحة.
وعندما تراه، تشعر أنك أمام إنسان من الصعب ألا تحبه.
صديقي أبو صلاح من أجمل الشخصيات حضورًا وتألقًا، ومن أولئك الأصدقاء الذين تضيف معرفتهم إلى حياتك قيمة حقيقية.
مبارك الشحيمي
أبو خالد… صديق طفولتي.
والحديث عنه لا يحتاج إلى كثير من الكلمات؛ لأن صداقتنا ليست وليدة اليوم، وإنما مسيرة امتدت من أيام الطفولة إلى اليوم.
كبرنا، وتغيرت أشياء كثيرة حولنا، وتبدلت الأيام، لكن بقيت الصداقة كما هي.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للصداقة:
أن يمر الزمن… ولا تمر الصداقة معه.
وللذكريات بقية…
هذه ليست قائمة أسماء، وليست مجرد تحية لأصدقاء مروا في حياتي.
هذه صفحات من العمر.
فكل واحد من هؤلاء ترك شيئًا في ذاكرتي؛ موقفًا، أو ضحكة، أو كلمة، أو وقفة، أو حتى مغامرة لا تصلح للنشر!
وهكذا هي الحياة…
نحن لا نحتفظ بالأيام، بل نحتفظ بمن جعلوا تلك الأيام تستحق أن نتذكرها.
قد تتغير الملامح، وتكبر الأعمار، وتقل اللقاءات، وقد تأخذنا الحياة إلى طرق مختلفة، لكن الصديق الحقيقي لا يحتاج إلى أن تراه كل يوم حتى يبقى قريبًا منك.
يكفي أن تلتقي به بعد سنوات، فتجد نفسك تضحك معه من نفس النكتة القديمة، وكأن السنوات التي مرت بينكما لم تكن إلا استراحة قصيرة.
إلى كل صديق شاركني يومًا، أو موقفًا، أو ضحكة، أو مغامرة، أو حتى صمتًا كان أبلغ من الكلام…
شكرًا لأنكم كنتم جزءًا من الحكاية.
وتحية إلى كل من زرع في حياتي بسمة، وحبًا، ووفاءً.
أما أنا، فما زلت أفتح دفاتر الذاكرة…
لأن بعض الأصدقاء لا تكفيهم صفحة، وبعض الذكريات لا تكفيها حكاية.
وللذكريات بقية…
مع تحيات
الولد الشقي سابقًا
الحكواتي حاليًا















