د. باهرة الشيخلي
في باريس، لم يكن البابا لاوُن الرابع عشر يتحدث عن فكرة غائبة عن العالم، بل عن فكرة يعرفها الجميع ويعجزون عن تحويلها إلى واقع. دعا إلى ألا يستسلم البشر لفكرة أن الحرب قدر لا مفر منه، وأن يُمنح الحوار والدبلوماسية مكانهما قبل أن يصبح السلاح اللغة الوحيدة الممكنة. وقال بوضوح إن السلام لا يقوم على توازن القوة وحده، بل يُبنى كل يوم بالحوار والعدالة. لم تكن الرسالة جديدة في معناها، لكنها جاءت في لحظة أصبح فيها السؤال أكثر قسوة من الدعوة نفسها: حين ينادي البابا بالسلام، من يسمع؟
من باريس إلى نيويورك تبدو المسافة قصيرة على الخريطة، لكنها أحيانًا طويلة جدًا في السياسة. ففي نيويورك تقوم الأمم المتحدة منذ أكثر من ثمانية عقود على فكرة أن الحروب لا ينبغي أن تكون الوسيلة الطبيعية لتسوية النزاعات، وأن الأمن الجماعي والقانون الدولي قادران على وضع حدود للقوة. ومع ذلك، كثيرًا ما تنتهي الاجتماعات ويبقى السؤال معلّقًا خارج القاعة: ماذا يحدث بعد القرار؟ فالنصوص قد تكون واضحة، لكن التنفيذ يظل أسير مصالح الدول الكبرى، وحق النقض، وحسابات الأمن والاقتصاد والتحالفات. ولذلك فإن الخلل لا يبدأ دائمًا في غياب القرار، بل في المسافة بين ما تقوله الشرعية الدولية وما تستطيع فعله على الأرض.
في كييف، تبدو هذه المسافة أكثر وضوحًا. فالحرب التي دخلت عامها الخامس لم تتحول إلى اعتياد أقل ألمًا، بل ازدادت كلفتها على المدنيين. الأمم المتحدة سجلت في يوليو/تموز 2026 أعلى عدد شهري من القتلى والجرحى المدنيين منذ مارس/آذار 2022، فيما استمرت الضربات بعيدة المدى على المدن والبنية التحتية للطاقة. هنا يصبح السلام أقل تجريدًا: ليس بيانًا عن ضرورة الحوار، بل كهرباء لا تنقطع في الشتاء، وبيتًا لا يتحول إلى ركام، وطفلًا لا يتعلم أسماء الصواريخ قبل أسماء مدنه.
وفي الخرطوم، تتغير اللغة ولا تتغير المأساة. حرب السودان تجاوزت ساحات القتال لتصبح واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم، ومعها انهارت قطاعات أساسية وتوسعت رقعة النزوح والجوع وتعطل التعليم لملايين الأطفال. هنا لا يقف السؤال عند مَن ينتصر عسكريًا، بل عند معنى الانتصار نفسه إذا كانت الدولة والمجتمع هما الخاسر الأكبر. فالسلام بالنسبة إلى النازح ليس اتفاقًا موقّعًا في عاصمة بعيدة؛ السلام هو أن يعرف أين سينام غدًا، وأن يستطيع إرسال أطفاله إلى مدرسة، وأن تصبح العودة إلى البيت احتمالًا حقيقيًا لا ذكرى.
ومن طرابلس، حيث لا تزال ليبيا تبحث عن مخرج من الانقسام السياسي ومؤسسات منقسمة ومواعيد انتخابية مؤجلة، يتكرر درس آخر: غياب الحرب الشاملة لا يعني بالضرورة وجود السلام. فقد تصمت المدافع وتبقى الدولة معلقة بين تسويات ناقصة، ومؤسسات متنافسة، وانتظار طويل لتوافق لا يأتي بسهولة. وهذا يذكّر بأن السلام ليس مجرد وقف إطلاق النار، بل القدرة على إعادة السياسة إلى مكان السلاح، وبناء مؤسسات تستطيع إدارة الخلاف بدل أن يتحول كل خلاف إلى احتمال مواجهة. والأمم المتحدة نفسها ما زالت تتحدث عن ضرورة تجاوز الانسداد السياسي وتوحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لانتخابات ذات صدقية.
ثم يمتد الخط جنوبًا نحو باب المندب والبحر الأحمر، حيث لم تعد الحروب محصورة في جغرافيا أصحابها. فاضطراب الممرات البحرية يتحول سريعًا إلى مشكلة عالمية، لأن السفن التي تتعطل لا تحمل أعلام الدول المتحاربة وحدها، بل تحمل طاقة وغذاء وأسمدة وسلعًا تعتمد عليها مجتمعات تبعد آلاف الكيلومترات عن ميدان الصراع. وفي سبتمبر/أيلول ازدادت هشاشة المنطقة حول باب المندب مع اتساع القتال في اليمن، فيما حذرت الأمم المتحدة من تداخل أزمات البحر الأحمر مع الاضطراب المستمر في مضيق هرمز.
وعند هرمز تصبح الصورة أكثر كثافة. هناك يمكن لخلاف سياسي وعسكري بين عدد محدود من الدول أن يضغط على شريان تمر عبره الطاقة إلى العالم. وحين تتراجع حركة الملاحة وترتفع أسعار النفط وتتأثر أسواق الغذاء والنقل، يصبح واضحًا أن الحروب الحديثة لا تعرف حدود الخرائط التي تبدأ فيها. فالقذيفة قد تسقط في مكان واحد، لكن ارتدادها الاقتصادي قد يصل إلى ملايين البشر الذين لم يكونوا طرفًا في النزاع ولم يملكوا قرارًا فيه.
ولهذا ربما تكون المشكلة الأعمق في نظامنا الدولي هي أن السياسة ما زالت تقيس الحروب بموازين الدول، بينما يدفع ثمنها أفراد لا يملكون مقاعد على طاولات التفاوض. من أوكرانيا إلى السودان، ومن ليبيا إلى اليمن، ومن باب المندب إلى هرمز، تختلف الأسباب والفاعلون والخرائط، لكن الإنسان يبقى القاسم الثابت: هو الذي يفقد منزله، وعمله، ومدرسته، وأحيانًا وطنه كله، ثم يسمع بعد ذلك أن المجتمع الدولي «يتابع بقلق».
وليس من الإنصاف أن نضع هذا كله في عنق الأمم المتحدة وحدها. فهي ليست حكومة عالمية ولا تملك جيشًا يفرض إرادتها على الدول، كما أن قراراتها نفسها انعكاس لموازين القوى التي أنشأت النظام الدولي. لكنها تبقى المرآة التي تكشف مقدار التناقض بين ما اتفقت البشرية على اعتباره قانونًا، وما تسمح به مصالحها عندما يأتي وقت الامتحان الحقيقي.
وهنا تعود كلمة البابا في باريس إلى معناها الأهم. فالدعوة إلى السلام ليست زينة أخلاقية توضع على هامش السياسة، وليست خطابًا لطيفًا يُقال بعد انتهاء الحروب. قيمتها الحقيقية أن تتحول إلى سياسة تتحرك قبل الحرب؛ قبل أن يصبح النزاع مقبرة، وقبل أن يصبح النازح رقمًا، وقبل أن يُضطر العالم إلى تمويل إعادة إعمار ما كان يستطيع أن يمنع تدميره.
قال البابا إن علينا ألا نستسلم لفكرة أن الحرب حتمية. وربما كان الجزء الأصعب من رسالته هو ما لم يقله صراحة: أن السلام أيضًا ليس حتميًا.
إنه يحتاج إلى إرادة، وإلى عدالة، وإلى دبلوماسية لا تصل متأخرة، وإلى دول قوية ترى أن منع الحرب أحيانًا أكثر حكمة من الفوز بها.
فإذا ظل العالم يجتمع ويتحدث ويصدر القرارات، بينما تستمر الشعوب في دفع الثمن، فلن تكون المشكلة في أن أصوات السلام خافتة.
بل في أن الضجيج من حولها أصبح أعلى من قدرة العالم على الإصغاء.
وعندها يبقى السؤال الذي بدأ في باريس مفتوحًا أمام الجميع:
حين ينادي البابا بالسلام… من يسمع؟
27 أيلول / سبتمبر 2026















