الأمير تركي الفيصل: إيران وإسرائيل تسعيان إلى الهيمنة على المنطقة، وعلى المملكة والصين الضغط عليهما لاحترام سيادة الدول

عبدالله بن صالح -بكين

أكَّد صاحبُ السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيسُ مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن أزمة الشرق الأوسط الراهنة تعكس انهيار نظامه الإقليمي خلال العقدين الماضيين، وأن جذورها تكمن في سعي كلٍّ من إيران وإسرائيل إلى الهيمنة على محيطهما، وفي تغذية الغرب للصراع، داعيًا الصين إلى العمل مع المملكة للضغط على الدولتين حتى تحترما سيادة جيرانهما والقانون الدولي، وتتصرفا بوصفهما دولتين طبيعيتين.
جاء ذلك في كلمة ألقاها سموُّه، يوم أول أمس أثناء مشاركته في الدورة الثالثة عشرة من منتدى بكين شيانغشان، الذي يُعقد في مركز بكين الدولي للمؤتمرات في المدة من 15 إلى 17 سبتمبر الجاري، تحت شعار: «بناء التوافق حول الاستقرار، والعمل معًا على تعزيز الحوكمة الأمنية»، بمشاركة مسؤولين وقادة عسكريين وممثلي منظمات دولية وخبراء من عدد كبير من الدول.
واستهل سموُّه كلمتَه بالإشارة إلى الحاجة المتنامية، في عالم مترابط يشهد تغيرًا تكنولوجيًّا متسارعًا، إلى حوارات صريحة ومفتوحة بشأن التحديات الأمنية والعسكرية المشتركة، قبل أن يؤكد أن الشرق الأوسط يمر بأزمة بالغة الخطورة أحاطت بكثير من دوله.
وأشار سموه إلى أن القتال المتقطع بين الولايات المتحدة وإيران، وعدم صمود التفاهمات التي جرى التوصل إليها بموجب مذكرة إسلام آباد، يُبقِيانِ خطر التصعيد العنيف قائمًا، لافتًا إلى أن عواقب هذا الصراع عالمية وجسيمة؛ فشبه إغلاق مضيقَيْ هرمز وباب المندب عطّل تدفقات الطاقة التي تغذي الاقتصاد العالمي والأسمدة الحيوية للأمن الغذائي، وقوّض دور شبه الجزيرة العربية بوصفها محورًا رئيسًا للطيران يربط العالم، وباتت الكلفة ظاهرة على الاقتصادات وسبل العيش، ومرشحة للتفاقم ما دام الصراع بلا حل حقيقي.
وأوضح سموه أن الصراع تحركه ثلاثة متغيرات؛ أولها عجز إيران عن التوصل إلى تسوية مع محيطها تسلك بموجبها سلوك دولة طبيعية، إذ تسعى إلى الهيمنة على جوارها، وتحكمها أيديولوجية تُلزمها بموجب دستورها بتصدير نظام الحكم (ولاية الفقيه) إلى جيرانها، عبر الدعم التخريبي لوكلاء يقوّضون سلطة الحكومات المركزية، كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، مذكِّرًا بتباهي مسؤول إيراني بأن بلاده تسيطر على «أربع عواصم عربية». وأكد أن القلق الفوري، رغم المخاوف الجدية من برنامجيها النووي والصاروخي، هو عجز إيران عن احترام سيادة الدول العربية، الذي بلغ ذروته في هجماتها العدوانية غير المشروعة على أراضيها وأصولها في الحرب الأخيرة.
وذكّر سموه بأن اتفاق استعادة العلاقات مع إيران وُقّع في بكين قبل أكثر من ثلاثة أعوام بضمانة الرئيس شي جين بينغ، ونصّ على الالتزام بميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وعدم التدخل واحترام السيادة. غير أن إيران، حين سعت المملكة إلى وقف الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، ردّت بمهاجمة المملكة وحثّت وكلاءها في العراق واليمن على ذلك، فيما امتنعت المملكة عن الرد أملًا في أن تحترم إيران اتفاق بكين. وأكد أن المملكة لا تزال هدفًا لوكلاء إيران، في استخفافٍ بموقف الصين بوصفها ضامنًا للاتفاق، وأن إغلاق الحوثيين باب المندب يضر بمصالح العالم كله، ومنه الصين، وأن محاسبة إيران كفيلة بردع عدوان الحوثيين.
وانتقل سموه إلى المتغير الثاني، الذي يعكس الأول، وهو عجز إسرائيل عن التوصل إلى تسوية مع المنطقة، إذ تسعى إلى الهيمنة كما تشهد الحرب التي شنّتها على إيران، وخطابها العدائي المتصاعد تجاه تركيا والمملكة ومصر، وسجلها التوسعي الذي يزداد ترويعًا؛ فقد ارتكبت خلال الأعوام الثلاثة الماضية إبادة جماعية في غزة تتجاوز التقديرات الأولية لقتلاها سبعين ألفًا، والأرجح أكثر بكثير، ويتحدث قادتها اليوم عن خطة لضم القطاع، وترسّخ احتلالها للضفة الغربية حيث تقع يوميًّا مذابح واعتداءات إرهابية مدعومة من الدولة ضد المجتمعات العربية، كما احتلت باسم «الأمن الأقصى» أراضي في لبنان وسوريا، دون اعتبار لسيادة جيرانها وحقوقهم بموجب القانون الدولي، ورغم المواقف البراغماتية لحكومتي بيروت ودمشق.
أما المتغير الثالث فهو سلوك الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة وألمانيا، في تغذية الصراع؛ فحمايتها لإسرائيل في المحافل الدبلوماسية كمجلس الأمن، وعبر الدعم العسكري والمالي، بل وبقمع انتقاد السلوك الإسرائيلي في أوساطها الإعلامية والتعليمية، شجعت تهور إسرائيل، ومنه إشعال هذه الحرب الكارثية التي ندفع جميعًا ثمنها. وأشار إلى أن الغزو الأميركي للعراق عام 2003م فتح الباب لانهيار سلطة الدولة فيه وفي دول مجاورة، ونمو وكلاء أقوياء موالين لإيران يهددون أمن الجميع، ومن ذلك إطلاق ميليشيات عراقية مسيّرات تستهدف الأراضي السعودية.
وإزاء هذه المحفزات، أكد سموه أن المملكة سعت إلى أداء دور دبلوماسي بنّاء لاستقرار النظام الإقليمي، انطلاقًا من إيمانها بعلوّ سيادة الدولة وأهمية القانون الدولي وبناء منطقة يتعايش فيها الجميع بكرامة وازدهار، وأنها تواصل الحوار مع إيران لتقليل الضرر المتبادل خلال الأزمة ورسم مسار مستقبلي للعلاقات الثنائية.
وفيما يتعلق بإسرائيل، ذكّر سموه بمبادرة السلام العربية التي طرحتها المملكة عام 2002م، وتقدم حلًّا حقيقيًّا للصراع على أساس حل الدولتين يفضي إلى اندماج إسرائيل الكامل في الشرق الأوسط، وهي لا تزال الموقف الرسمي للمملكة، إذ يظل التطبيع مرهونًا بقيام دولة فلسطينية، وهو ما أعاد تأكيده «إعلان نيويورك» لعام 2025م الذي رعته المملكة وفرنسا، ووضع خطة تفصيلية مدتها خمسة عشر شهرًا لعملية سلام قابلة للتحقيق. وأكد أن إسرائيل اختارت تجاهل هذه المبادرات، وسلكت طريقًا لن يجلب للمنطقة سوى مزيد من المعاناة وعدم الاستقرار.
وأشار سموه إلى بُعد إضافي، هو أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية غير معلنة، وأن إيران مرشحة للسعي إلى التسلح النووي، ولذلك دعت المملكة ولا تزال إلى إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
وأوضح سموه أن هذه الجهود الدبلوماسية، الهادفة إلى حمل الدولتين على تغيير سلوكهما، اقترنت بإجراءات ملموسة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية التي تمكّنهما؛ إذ عملت المملكة، عبر مزيج من الدعم الإنساني والعسكري والاقتصادي، على تعزيز السلطة المركزية في دول عربية تواجه وكلاء تدعمهم إيران، وإسرائيل الآن أيضًا، كاليمن وسوريا والسودان، مؤكدًا أن التحديات العابرة للحدود لا تُعالج والتنمية لا تتحقق إلا في منطقة تحتكر فيها الدولة العنف.
وتطرق سموه إلى التحالف الدفاعي الذي دخلت فيه المملكة مع تركيا وباكستان، «اتفاقات مكة»، بوصفه سبيلًا لبناء منظومة أمن إقليمية قادرة على ردع التهديدات الصادرة عن إيران وإسرائيل واحتوائها وتحويلها، ولإشراك القوى الإقليمية الرئيسة في معالجة مشكلاتها، مؤكدًا أن التحالف لا يضمر نوايا عدائية أو طائفية تجاه الدولتين أو غيرهما، وإنما يسعى إلى إقامة طوق دفاعي وقائي في وجه تعدياتهما المزعزعة للاستقرار، إلى أن تصبحا دولتين طبيعيتين تحترمان جيرانهما وتعيشان معهم بسلام.
وأكد سموه أن المملكة، مدفوعةً برؤية 2030 وبإيمان راسخ بأن التنمية حجر الزاوية للسلام، تستثمر في مشروعات الربط الإقليمي، وأبرزها شبكة السكك الحديدية الخليجية، وإحياء خط سكة حديد الحجاز الرابط بين تركيا وشبه الجزيرة العربية عبر بلاد الشام، وأن النهوض بدول المنطقة بالاستثمار المتواصل في التنمية وربطها بمصالح اقتصادية متشابكة يعزز الأمن الجماعي.
وفي حديثه عن العلاقات السعودية الصينية، أكد سموه تقاربًا كبيرًا بين رؤيتي الرياض وبكين للمنطقة، مشيرًا إلى المقترحات الأربعة التي طرحها الرئيس الصيني في أبريل الماضي لصون السلام والاستقرار في الشرق الأوسط: الالتزام بمبادئ التعايش السلمي، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون الدولي، والنهج المتوازن بين التنمية والأمن.
وأشار سموه إلى أن الرئيس الصيني دعا دول المنطقة، خلال زيارته الأخيرة للقاهرة، إلى «أن تأخذ مستقبلها بأيديها» ببناء منظومتها الأمنية، وإلى النظر إلى مشكلات المنطقة بوصفها مترابطة تتطلب حلولًا شاملة، وأشاد خصوصًا بتأكيده مركزية فلسطين مفتاحًا لحل كثير من مشكلاتها.
ودعا سموه المملكة والصين إلى البناء على هذا التوافق في الرؤى والحلول، بالعمل مع الدول المتوافقة معهما لزيادة استقرار المنطقة، عبر تنسيق الجهود للضغط على إيران وإسرائيل لاحترام السيادة الوطنية وسيادة القانون الدولي، سواء باستخدام الآليات والأطر القائمة كاتفاق بكين واجتماعاته الثلاثية واتفاقات مكة، ولا سيما عبر علاقة الصين الوثيقة بباكستان والمملكة، أو بحرمانهما من المدخلات اللازمة لاستدامة قدراتهما الهجومية، مشيرًا إلى مجال واسع للتعاون السعودي الصيني في مساعدة دول كسوريا والسودان ذات الاحتياجات التنموية الكبيرة.
وفي ختام كلمته، أكد سموه أن الصين، بوصفها قوة كبرى ذات نفوذ سياسي واقتصادي كبير وعضوًا في مجلس الأمن، قادرة على إحداث أثر إيجابي في الشرق الأوسط، معربًا عن تقدير المملكة لجهود الصين لإحلال السلام في المنطقة، وتطلعها إلى مواصلة العمل الوثيق معها في ضوء ما يجمعهما من رؤى وقيم ومعتقدات مشتركة.
وأشار سموه إلى ما جدده نائب الرئيس الصيني هان تشنغ من تأكيد موقف الصين من ميثاق الأمم المتحدة، وتغليب الدبلوماسية على الحرب، والانخراط متعدد الأطراف بين جميع الدول، مؤكدًا أن المملكة تتفق تمامًا مع ما أكده.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24