تحفة معمارية ومنارة للعلم والإرشاد الديني.. معلم عريق تختزن جدرانه ذاكرة منطقة عرفت حضور الزوايا في التعليم والإصلاح الاجتماعي
بقلم: كمال فليج
هناك أماكن لا تحتاج إلى لافتات كبيرة لتعلن عن حضورها، يكفي أن تقف أمام جدرانها حتى تشعر أن قرونًا من الحكايات ما تزال عالقة بين حجارتها. أماكن لا يُقاس عمرها بعدد السنوات فقط، وإنما بما تركته من أثر في ذاكرة الناس وحياتهم.
في عين عباسة بولاية سطيف، تقف زاوية سيدي حسن الشريف شاهدة على زمن بعيد، تتجاور فيه العبادة مع العلم، وتمتزج فيه الذاكرة الدينية بالذاكرة الاجتماعية، ويصبح الزليج والزخارف المعمارية جزءًا من حكاية مكان ظل حاضرًا في وجدان المنطقة.
هنا، لا يروي الزمن قصته بالكلمات، بل بالجدران.
وتتداول الرواية المحلية أن تاريخ الزاوية يعود إلى سنة 1203 ميلادية، الموافق لـ624 هجرية، وأن تأسيسها ارتبط بالولي الصالح سيدي حسن الشريف، الذي تنسبه الرواية إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما. ومع أن هذه المعطيات التاريخية تظل بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق في المصادر والأرشيفات، فإنها تكشف عن مكانة راسخة للزاوية في الذاكرة المحلية.
فما قصة هذا المعلم؟ ومن هو سيدي حسن الشريف؟ وما الدور الذي أدته الزاوية في حياة سكان المنطقة؟ وكيف استطاع هذا المكان أن يحافظ على ملامحه وحضوره رغم تعاقب القرون؟
أسئلة كثيرة تبدأ من عتبة الزاوية ولا تنتهي عند جدرانها.
إذا صحت الرواية المتداولة بشأن تاريخ تأسيسها، فإن زاوية سيدي حسن الشريف تنتمي إلى مجموعة المعالم الدينية الجزائرية التي تضرب جذورها في عمق التاريخ.
فالقرن الثالث عشر الميلادي كان جزءًا من مرحلة تاريخية مهمة في بلاد المغرب، وكانت المؤسسات الدينية والعلمية تؤدي أدوارًا متعددة في المجتمعات المحلية. ومع مرور الزمن، أصبحت الزوايا فضاءات للعبادة والتعليم، وحفظ القرآن، ونقل العلوم والمعارف الدينية، فضلًا عن أدوار اجتماعية وإصلاحية.
ومن هذا المنظور، فإن تاريخ زاوية سيدي حسن الشريف لا يمكن فصله عن تاريخ الزوايا الجزائرية عمومًا، وعن الدور الذي أدته هذه المؤسسات في الحفاظ على المعرفة الدينية وتكوين أجيال من الطلبة.
غير أن الوصول إلى تاريخ دقيق للزاوية يظل مرتبطًا بضرورة العودة إلى الوثائق والمخطوطات وسجلات الأوقاف والروايات المحلية، ومقارنتها بالمصادر التاريخية المعروفة.
في المعالم التراثية، لا تكون الجدران مجرد عناصر إنشائية؛ إنها في كثير من الأحيان وثائق صامتة.
فالطريقة التي شُيّد بها المبنى، والمواد المستخدمة فيه، والزخارف، وتوزيع الفضاءات، كلها يمكن أن تقدم للباحث إشارات مهمة حول العصر الذي ظهر فيه المعلم ومراحل تطوره.
وتتميز زاوية سيدي حسن الشريف بما تحمله من عناصر معمارية وزخرفية لافتة، من بينها الزليج الذي يمنح المكان طابعًا جماليًا مميزًا، ويعكس حضور الحرفة التقليدية في العمارة الدينية.
فالزليج ليس مجرد زخرفة، بل هو فن قائم على الدقة والهندسة والتناسق، وهو جزء من الذاكرة الفنية للعمارة المغاربية.
ولهذا فإن دراسة الزاوية ينبغي ألا تقتصر على تاريخها الديني، وإنما تشمل أيضًا دراسة هندستها ومواد بنائها وزخارفها ومراحل ترميمها والتغيرات التي طرأت عليها عبر الزمن.
لطالما شكلت الزوايا في الجزائر فضاءات أساسية لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية، خاصة في الفترات التي كانت فيها المؤسسات التعليمية الحديثة محدودة الانتشار.
وكانت الزاوية تستقبل الطلبة الراغبين في حفظ القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والعلوم الدينية، لتتحول بذلك إلى مؤسسة تعليمية لها حضورها داخل المجتمع.
وترتبط زاوية سيدي حسن الشريف، في الذاكرة المحلية، بهذا الدور العلمي والتربوي، من خلال تعليم الشريعة وأصول الدين، وتنظيم حلقات العلم والتكوين والإرشاد.
وهكذا كان التعليم داخل الزاوية يتجاوز نقل المعلومات إلى بناء شخصية الطالب وربط العلم بالسلوك والقيم، في إطار منظومة تربوية كانت الزوايا تؤدي فيها دورًا محوريًا.
لم تكن الزوايا أماكن للتعليم فقط، بل كانت لها وظائف اجتماعية واسعة.
ففي المجتمعات المحلية، كان الشيخ والعالم يحظيان بمكانة تجعل الناس يلجؤون إليهما عند وقوع الخلافات والنزاعات، طلبًا للصلح وتقريب وجهات النظر.
ومن هذا الباب، ارتبطت الزاوية كذلك بممارسة إصلاح ذات البين، وهي قيمة اجتماعية ودينية تقوم على المصالحة والتسامح والحفاظ على الروابط بين أفراد المجتمع.
إن هذا الدور يكشف جانبًا مهمًا من تاريخ الزوايا الجزائرية؛ فقد كانت جزءًا من الحياة اليومية للناس، ولم تكن منفصلة عن مشكلاتهم وتطلعاتهم.
لكل معلم تاريخي ذاكرة مكتوبة، وذاكرة أخرى تعيش في صدور الناس.
وفي حالة زاوية سيدي حسن الشريف، تمثل الروايات المحلية مصدرًا مهمًا لفهم مكانة الزاوية في المجتمع، خاصة ما يتعلق بأسماء الشيوخ والطلبة والوظائف التي أدتها عبر الزمن.
لكن الرواية الشفوية، مهما كانت مهمة، تحتاج إلى التوثيق والمقارنة.
فربما توجد في البيوت القديمة وثائق لم تُدرس بعد، أو مخطوطات عائلية، أو عقود أوقاف، أو صور قديمة، أو شهادات يمكن أن تساعد في إعادة بناء التاريخ الكامل للزاوية.
ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع توثيقي يجمع كل ما يمكن العثور عليه من مواد مرتبطة بهذا المعلم.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: متى تأسست الزاوية؟
بل أيضًا: من هم شيوخها؟ ومن أين جاء طلبتها؟ وما العلوم التي كانت تُدرس فيها؟ وكيف تطور مبناها؟ ومن تكفل بأوقافها؟ وما هي الأحداث التي مرت بها عبر القرون؟
هذه الأسئلة يمكن أن تفتح بابًا لدراسة تاريخية أوسع.
فوثيقة واحدة قد تغير الكثير من التفاصيل، ومخطوط قديم قد يحمل اسم شيخ أو طالب، وعقد وقف قد يكشف عن مصادر تمويل الزاوية، بينما يمكن لصور قديمة أن توضح مراحل التغيير التي عرفها المبنى.
وهنا تبرز أهمية التعاون بين الباحثين في التاريخ والتراث والعمارة، وبين سكان المنطقة الذين يحتفظون بجزء مهم من الذاكرة المحلية.
يظل الجانب المعماري من أكثر العناصر التي تمنح زاوية سيدي حسن الشريف قيمتها التراثية.
فالزخارف والزليج والتفاصيل التقليدية ليست مجرد عناصر جمالية، وإنما جزء من هوية المكان.
ومن هنا، فإن المحافظة على الزاوية تتطلب احترام خصائصها الأصلية عند إجراء أي عمليات ترميم أو صيانة، والاستعانة بالخبرات المتخصصة في ترميم المباني التاريخية.
فالترميم غير المدروس قد يحافظ على المبنى من الانهيار، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى فقدان بعض ملامحه الأصلية.
ولهذا فإن أفضل حماية للمعلم تبدأ بالمعرفة الدقيقة بتاريخه وخصائصه.
إن حماية زاوية سيدي حسن الشريف ليست مسؤولية سكان عين عباسة وحدهم.
فالمعالم الدينية والتاريخية جزء من الذاكرة الوطنية، وحمايتها تعني حماية جانب من تاريخ الجزائر الثقافي والاجتماعي.
ويمكن للزاوية أن تتحول إلى فضاء للتعريف بتاريخ المنطقة وتراثها، من خلال إعداد دراسات علمية، وإنشاء أرشيف للوثائق والصور، وتنظيم لقاءات حول تاريخها، وتشجيع الطلبة والباحثين على دراسة جوانبها الدينية والمعمارية والاجتماعية.
كما أن إدراجها ضمن مسارات السياحة الثقافية والتراثية، متى توفرت الشروط العلمية والقانونية المناسبة، يمكن أن يمنحها حضورًا أوسع ويعرّف الأجيال الجديدة بقيمتها.
الحديث عن زاوية يعود عمرها، وفق الرواية المتداولة، إلى أكثر من ثمانية قرون، يحمل مسؤولية كبيرة.
فالتاريخ لا يكتفي بما تتناقله الذاكرة، وإنما يبحث عن الوثيقة ويقارن الروايات ويدقق التواريخ.
ولذلك فإن الرواية المتداولة حول تأسيس زاوية سيدي حسن الشريف ونسب مؤسسها تستحق أن تكون نقطة انطلاق لبحث علمي جاد، لا نهاية للبحث.
فإذا أكدت الوثائق هذه المعطيات، فإنها ستمنح الزاوية قيمة تاريخية موثقة، وإذا كشفت الوثائق تفاصيل مختلفة، فإن ذلك سيكون أيضًا إضافة مهمة لفهم تاريخ المكان.
وفي الحالتين، سيكون الرابح هو الحقيقة التاريخية.
قد يمر الزائر أمام زاوية سيدي حسن الشريف فيرى مبنى قديمًا، وزخارف جميلة، وزليجًا يلفت النظر.
لكن خلف هذه الصورة الظاهرة تختبئ حكاية أطول.
حكاية أجيال تعاقبت، وطلبة حفظوا القرآن، وشيوخ علّموا وأرشدوا، وأناس لجؤوا إلى المكان طلبًا للعلم أو الصلح، وحرفيين تركوا بصماتهم على الجدران والزخارف.
لهذا فإن الزاوية ليست مجرد أثر من الماضي، بل ذاكرة حية.
إنها جزء من ذاكرة عين عباسة، ومن التراث الديني والثقافي لولاية سطيف، وجزء من المشهد الأوسع للزوايا التي لعبت أدوارًا متعددة في تاريخ الجزائر.
ويبقى التحدي اليوم هو أن نحول هذا الإرث من ذاكرة متوارثة إلى تاريخ موثق، وتراث مصان، ومعلم حاضر في وعي الأجيال القادمة.
فالمباني القديمة لا تحتاج فقط إلى أن تبقى واقفة؛ تحتاج أيضًا إلى أن تُفهم، وأن تُدرس، وأن تُروى قصتها.
وزاوية سيدي حسن الشريف، بما تختزنه من روايات ومعمار وذاكرة، تستحق أن تُفتح لها دفاتر البحث، وأن يُنصت إلى ما تقوله جدرانها.
فحين تتكلم الجدران، لا يكون الصمت دليلًا على غياب الحكاية… بل ربما يكون دعوة إلى البحث عنها.















