التطورات الأخيرة في اليمن وتداعياتها المحتملة

 اللواء الركن فيصل الدليمي 

تشكل سيطرة أنصار الله الحوثي اليوم على الساحل الغربي اليمني ومضيق باب المندب تحولاً استراتيجياً نوعياً، نقل اليمن من خانة “التهديد البعيد” في التقديرات العسكرية السابقة، إلى حجر زاوية في معادلات الردع الإقليمي، ولاعب مباشر في الحسابات الاستراتيجية للأطراف المتصارعة.

فبعد أن كانت التقديرات السابقة تتركز فقط على قدرة صنعاء الصاروخية والمسيّرة على الوصول إلى عمق إسرائيل ودول المنطقة، أصبحت اليوم أمام تموضع جغرافي وسياسي واقتصادي وعسكري متكامل. فالسيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم – مضيق باب المندب – تعني القدرة الفعلية على التأثير في حركة الملاحة والتجارة العالمية في البحر الأحمر،وبالتالي المساس المباشر بمحددات الأمن القومي للأطراف المنافسة..

*أولاً: التداعيات على إسرائيل:*
اختبرت إسرائيل خلال حربها على قطاع غزة قدرة قوات صنعاء على تعطيل الملاحة المتجهة إلى ميناء أم الرشراش (إيلات)، وما ترتب على ذلك من تراجع حاد في نشاط الميناء وخسائر اقتصادية ملموسة
،واليوم تبدو الظروف أكثر مواتاة لأنصار الله الحوثي لتصعيد مستويات الضغط في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يثير قلقاً متزايداً لدى واشنطن وتل أبيب..
فكلما تعزز تموضع أنصار الله الحوثي في الساحل الغربي والجزر ذات القيمة الاستراتيجية، تضاءلت فرص احتواء هذا الخطر، في ظل تضاعف الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي، وتثبيت حضور أنصار الله الحوثي كعمق استراتيجي لمحور المقاومة.

*ثانياً: التداعيات الإقليمية:*
إن الضغط المتوازي اليوم على مضيقي هرمز وباب المندب يمنح إيران وحلفاءها هامش مناورة أوسع، وقدرة على توزيع جبهات الضغط وإجبار الخصم على تشتيت موارده على مساحة جغرافية واسعة. وهو ما سينعكس سلباً على قدرة المناورة والقيادة والسيطرة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل والدول المرتبطة بالمظلة الاستراتيجية الأمريكية، التي كانت تعتمد على قدرة واشنطن على ضبط الإيقاع الإقليمي بما يضمن لها حرية الحركة والأمن.
كما أن توسيع أي جبهة من جبهات محور المقاومة سينعكس إيجاباً على باقي الجبهات، سواء عبر الإسناد المباشر أو عبر استنزاف قدرات الخصم ورفع كلفة خياراته. وفي ظل العلاقة الوثيقة التي تربط أنصار الله الحوثي بإيران وحزب الله وحركة حماس وفصائل المقاومة في العراق، فإن جميع الملفات الساخنة ستحضر بقوة في معادلة واحدة، حتى وإن لم يكن التأثير عملياتياً مباشراً في كل الحالات، إلا أن رفع كلفة الحرب الإقليمية الشاملة سيؤثر حتماً في حسابات الردع..
ولا يعني ذلك انقلاباً نهائياً ومطلقاً في ميزان القوى، فلا تزال أمريكا وإسرائيل تحتفظان بتفوق عسكري وقدرة على المبادرة، إلا أن خطواتهما المستقبلية باتت اليوم محفوفة بقيود ومخاطر يجب أخذها بعين الاعتبار.

*ثالثاً: البعد الداخلي اليمني:*
على الصعيد الداخلي، فإن السيطرة على هذه المنافذ البحرية الحيوية تمنح صنعاء وطهران أدوات إضافية لمواجهة الحصار المفروض عليهما، وتعزيز استقلالية خياراتهما السياسية والاقتصادية والأمنية، وتحويل الموقع الجغرافي اليمني من عنصر ضغط يُستخدم ضدهما إلى مورد قوة استراتيجية بيدهما.

*الخلاصة:*
في الصورة الأشمل، يمكن القول إن التطورات الأخيرة على الساحة اليمنية من شأنها أن تجبر الخصوم على إعادة النظر في كلفة استخدام القوة العسكرية، التي أصبحت اليوم أعلى من نتائجها المحتملة. وفي حال استمرار تثبيت هذه المعادلة، تكون صنعاء قد أضافت عنصراً جديداً إلى توازنات المنطقة لا يمكن إغفاله في أي خطوة مقبلة…
وإن غداً لناظره قريب…
وإلى الله ترجع الأمور…

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24