وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
قد تبدو حلوى المولد في حياتنا، تفصيلًا مرتبطًا بالفرح والذاكرة الدينية والاجتماعية، لكنها هذا العام تفتح نافذة على قضية مهمة تتصل بطبيعة الدولة والمجتمع: كيف تحمي الدولة مواطنيها، وتضبط أسواقها، وتبني اقتصادًا يستعيد عافيته على أساس الجودة والثقة؟ فمن خلف حملات التفتيش على الحلوى، وإلزام التجار بالأوزان القانونية، ومراجعة المكونات، تتكشف أهمية الرقابة على السلع، باعتبارها أحد مظاهر حضور الدولة في الحياة اليومية، وحمايةً المواطن في سلعة جيدة و آمنة.
ولعل أهمية الحملة القومية التي أطلقتها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بالتزامن مع مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام، لا تكمن فقط في حماية المستهلك من سلعة غير مطابقة للمواصفات والمقاييس، وإنما في كونها تعيد تعريف هذه الوظيفة كونها جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي والاجتماعي. فالمواصفة ليست نصًا فنيًا، ولا إجراءً إداريًا يخص المصانع، وإنما قاعدة تنظم العلاقة بين المنتج والسوق والمواطن، وتحدد الحد الأدنى المقبول من الجودة والسلامة والشفافية.
في بلد أنهكته الحرب وأضعفت سلاسل إنتاجه وإمداده، أصبحت حماية الأسرة من الغذاء غير الآمن قضية تنموية وسياسية في آن واحد. فالمواصفة التي تحدد مكونات حلوى المولد، وتمنع المواد الضارة، وتضبط استخدام الألوان، وتشترط سلامة التعبئة والتغليف، وتحدد نسب المكونات الأساسية، إنما تؤكد أن صحة المواطن ليست شأنًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد استقرار الاقتصاد. بل إن الاقتصاد نفسه يفقد معناه إذا لم يكن قادرًا على حماية الإنسان الذي ينتج ويستهلك ويدفع الثمن.
ومن هذه الزاوية، فإن قرار إلغاء “الرطل” واعتماد الكيلوجرام ومشتقاته لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد استبدال لوحدة قياس. فالقياس الدقيق أحد أشكال العدالة الاقتصادية. وحين يعرف البائع والمشتري والمصنع والمصدر أن هناك معيارًا واحدًا واضحًا للوزن، تتقلص مساحة الالتباس والغش، ويصبح السوق أكثر شفافية وقابلية للضبط. وقد تبدو المسألة صغيرة، لكن الدولة الحديثة تُبنى أحيانًا من مثل هذه التفاصيل الصغيرة التي تتحول، بتراكمها، إلى ثقافة عامة وقواعد مستقرة للسوق.
ولذلك فإن التحرك المشترك بين الهيئة السودانية للمواصفات، ومباحث التموين وحماية المستهلك، والنيابة المختصة، واللجنة القومية لشؤون المستهلكين، يقدم نموذجًا في تكامل الأدوار، لما ينبغي أن تكون عليه الدولة في هذه المرحلة: مؤسسات تتكامل بدل أن تعمل في جزر منفصلة، وتنتقل من رد الفعل إلى الوقاية، ومن معالجة المخالفة بعد وقوعها إلى بناء بيئة تمنعها قبل أن تتحول إلى ضرر اقتصادي أو صحي.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الحركة تتجاوز حماية سوق الاستهلاك المحلي. فالمواصفات هي إحدى أهم أدوات السياسة الاقتصادية للدولة. السودان الذي يبحث عن طريق للخروج من اقتصاد الحرب لا يحتاج فقط إلى استعادة المصانع والحقول والأسواق، وإنما يحتاج إلى استعادة القدرة على إنتاج سلعة موثوقة يمكنها تصل المستهلك. فالجودة ليست ترفًا اقتصاديًا إنها شرط للدخول إلى الأسواق وسلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
ومن هنا فإن إشادة اتحاد أصحاب العمل بأداء الهيئة تعكس تكامل الأدوار، فالقطاع الخاص يحتاج إلى هيئة قوية وموثوقة، شريكًا في الجودة وفتح الأسواق، فيما يمثل الالتزام بالمواصفة استثمارًا في تنافسية المنتج الوطني.
والمطلوب أن يتحول دعم رئيس الوزراء د. كامل إدريس الذي أعلن عنه الأسبوع الماضي، إلى رؤية تضع المواصفات في قلب التعافي الاقتصادي، عبر تطوير المختبرات، والإرشاد ، ومواكبة المعايير الدولية، وربطها بالإنتاج والتجارة والاستثمار المنتج، فالبلاد لا تنقصها الموارد، بل القدرة على تحويلها إلى منتجات موثوقة ذات قيمة مضافة.
وتستحق الرسالة الإعلامية والتوعوية التي تضطلع بها الهيئة إشادة خاصة، لأنها تمثل جوهر الإعلام التنموي حين تنقل المواصفة من لغة فنية إلى وعي يومي يحمي المستهلك ويدعم المنتج. فالتوعية بحقوق المستهلك، والجودة، وتشجيع الإبلاغ عن المخالفات، لا تقل أهمية عن المختبر وأجهزة الفحص، لأنها تبني رقابة مجتمعية تقلّص مساحة الغش. والمطلوب أن تتجه الهيئة إلى تطوير هذه الرسالة باعتبارها شريكًا في صناعة السوق المنضبط، وأن توظف الإعلام لا للتعريف بحملاتها فقط، بل لترسيخ ثقافة الجودة وربطها بالتنمية والإنتاج والقدرة التنافسية، بما يجعل المواطن والمنتج والدولة أطرافًا في منظومة واحدة لحماية الاقتصاد.
ختامًا، بحسب #وجه_الحقيقة ليست المسافة بين “حلوي المولد” و”اقتصاد الدول ” بعيدة كما تبدو، فالمواصفة التي تحمي أسرة من سلعة غير مطابقة، وتضمن وزنًا عادلًا، وتساعد مصنعًا على بلوغ الأسواق، هي ذاتها التي تؤسس اقتصادًا تحكمه الجودة والثقة والانضباط. وفي سودان ما بعد الحرب، لا تعني إعادة الإعمار تشييد المباني والمصانع فقط، بل إعادة بناء القواعد التي تحكم السوق وتحمي المواطن. وربما يبدأ اقتصاد الدولة من حيث تبدو الحكاية صغيرة: حلوى آمنة، وميزان عادل، ومصنع يحترم المواصفة، ومنتج سوداني يخرج إلى المستهلك و العالم بثقة.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 20 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com












