​ظل النحّات … من ملفات المحقق سمير

بقلم سمير الشحيمي

​كان المطر يقرع زجاج النافذة بإيقاع منتظم، مصحوبًا ببرودة تتسلل عبر شقوق مكتب المحقق (سمير). كان ينفض رماد غليونه بتمهل عندما ورد بلاغ عاجل من حي “المبدعين”؛ كان المكان هذه المرة مرسم النحّات الشهير (إلياس)، حيث تُخفي أضواؤه الخافتة خلف كواليسها مشهدًا يضج بالغرابة والقسوة.
​في منتصف الصالة المكشوفة للمرسم، وتحت زخات المطر الساقطة من السقف الزجاجي المكسور، كان يقبع تمثال رخامي مهيب لامرأة تغطي وجهها بيديها. لم تكن هناك دماء، لكن الجريمة مسّت أعماق الروح؛ إذ كان يُسمع من داخل الرخام أنين مخنوق! لقد قام الجاني بصَبّ طبقة سريعة التجمد من الجبس والرخام المقوى حول جسد عازفة الفيولونسيل الشهيرة (لورا) وهي على قيد الحياة، تاركًا فتحة مجهرية تنفذ منها أنفاسها ببطء، وكأنها سجينة داخل سجن من حجر.
​اقترب المحقق سمير بخطوات موزونة، يتصاعد من غليونه دخان رمادي كثيف يتبدد في ظلام المرسم. وعلى قاعدة التمثال الرخامية، لم تكن هناك أدوات نحت عادية، بل إزميل ملطخ بمادة فسفورية تتوهج في الظلام، بجانبه ورقة مكتوب عليها بحبر نحاسي براق:
«الأجساد تفنى والجمال يزول.. وحدها قسوة الحجر تخلّد الخيانة.»
​وعلى حافة الحجر، كانت تقبع قطعة شطرنج واحدة: “البيدق الأسود”، وقد حُفرت على قاعدته الخشبية جملة دقيقة بالمشرط: “كل حركة إلى الأمام تحرق جسر العودة”. وكانت تفوح منه رائحة غريبة… مزيج من عصير النباتات السامة ورائحة الجلد المحترق.
​أدرك سمير على الفور أنه يواجه مجرمًا يتمتع بـ “سيكولوجية التكفير والعقاب المسرحي”؛ شخصًا يرى نفسه “المطهر الإلهي” للوسط الفني، ولا يكتفي بقتل الضحية بل يمارس عليها “قتل الهوية” عبر تحويلها إلى منحوتة صامتة لتعيش تجربة الفناء بطبقات متعددة:
​التجريد السمعي: خنق صوت العزف بتحويل الضحية إلى حجر لا يتحرك.
​الضغط النفسي المبتكر: استخدام “البيدق الأسود” كرمز للضحية التي تم التضحية بها في لعبة شطرنج يعتقد القاتل أنه يقودها وحده.
​قاد المركب الكيميائي للرخام النادر سمير إلى مصنع ناءٍ للمواد الأثرية في أطراف المدينة، وهناك اعترف المالك تحت هيبة سمير الحازمة أن شحنة الرخام اشتراها رجل يرتدي قناعًا برونزيًا يُدعى “مالك”، وهو تلميذ سابق بالمرسم عُزل بسبب اضطراباته النفسية وهوسه بتعذيب النماذج أثناء رسمها.
​في اليوم التالي، عند عودة سمير إلى مكتبه، وجد على طاولته ساعة رملية سوداء ينفد رملها بسرعة، وملاحظة تشير إلى أن المادة الصلبة حول الضحية ستتكلس تمامًا وتقتلها خنقًا خلال ساعات قليلة، مرفقة بـتسجيل صوتي لضربات قلب الضحية المتسارعة داخل صندوق الرخام!
​اتجهت الشكوك في البداية نحو الزوج (إلياس)، لكن سمير بفكره الثاقب حلل رمزية “البيدق الأسود” — الجندي الذي يُضحّى به دومًا لخوض المعارك القذرة — متذكرًا عقد النقص النفسية لدى (مالك)، الذي كان يرى نفسه مجرد “بيدق” يستغله الوسط الفني، وقرر أن يجعل من أستاذه وزوجته أولى ضحايا “ثورة البياذق”.
​وصل سمير إلى القبو الملحق بالمرسم القديم حيث يختبئ مالك مع الساعة الرملية الأخيرة، محاطًا بمئات الرسوم المرعبة لتماثيل مخنوقة. لم تتسارع دقات قلب المحقق، ولم يتراجع خطوة واحدة؛ سحب غليونه ونفث منه سحابة خفيفة، ثم نظر بثقة نحو زاوية القبو المظلمة وقال بصوت حاد كالصلب:
— “البيدق قد يتقدم خطوة إلى الأمام يا مالك.. لكنه يظل أسير اللوحة التي يحركها عقلك المريض، وحجرك لن يصبح فكراً بل سجنًا لسقوطك.”
​وبمساعدة الفريق الطبي والمواد الكيميائية المذيبة التي أحضرها سمير معه، تم إنقاذ (لورا) قبل فوات الأوان، وأُلقي القبض على القاتل وهو في حالة انهيار عصبي تام بعد تحطم وهمه الإجرامي.
​أخرج سمير مفكرته الجلدية، وسجل فيها بخط جلي:
«قضية ظل النحّات؛ ظن المجرم أن التضحية بالآخرين تحوله إلى ملك على رقعة الشطرنج، ونسي أن الجريمة مهما تعقدت حيلتها، تنتهي دائمًا بكش ملك للحقيقة.»
​أغلق المفكرة بثبات، وهو يدرك تمامًا أن صراع الحق مع الظلام مستمر، وأن لكل جريمة ظلاً يفضحه نور الحقيقة.

تمت.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24