تجربة حياة … حين تهدم الصحبة ما بنته السنين

بقلم: نور بنت حسن الغسانية
رئيسة جمعية المرأة العُمانية بصلالة
هناك قصص لا تحتاج إلى كثير من الكلام حتى تؤثر فينا، لأنها ببساطة تشبه الحياة؛ فيها الصبر، والنجاح، والفرح، ثم تأتي لحظة واحدة قد تغيّر أشياء كثيرة.
هذه حكاية أمٍّ أرملة، حملت مسؤولية أبنائها وحدها، وربّت يتيمين تربية صالحة، ولم تدخر جهدًا في سبيل أن تراهما في أفضل حال. كافحت وصبرت، حتى وصلا إلى الجامعة، ثم تخرجا، وتزوجا، وأصبح لكل واحد منهما أسرته وأبناؤه، وبدأت الأم ترى ثمرة سنوات التعب أمام عينيها.
كانت سعيدة بأبنائها، تتحدث عن نجاحهما بفخر، وتقول دائمًا:
الحمد لله، ربيت أبنائي وأوصلتهم إلى ما تمنيت.
وكان من حقها أن تفرح، فقد أدت رسالتها على أكمل وجه، حتى كنت أقول لها: أنتِ أم مثالية، وتستحقين أن تُكرَّمي على ما قدمتِ لأبنائك.
لكن الحياة أحيانًا تضع أمام الإنسان اختبارًا لم يكن يتوقعه.
خرج الابنان في إحدى الرحلات مع بعض الأصدقاء، وكان النجاح الذي وصلا إليه سببًا للغيرة في نفوس بعض من حولهما. ومع رفقة لم تكن صالحة، بدأت خطوات الانحراف الأولى، حتى دخلت المخدرات حياتهما، وبدأت الأم تلاحظ أن شيئًا ما قد تغيّر.
الأم التي تعرف أبناءها جيدًا، لا تخطئ في ملاحظة التغيير.
تغيّرت سلوكياتهما، وابتعدا عن الصلاة، وكثرت خروجاتهما، وبدأت المشكلات بينهما وبين زوجاتهما، ثم تطور الأمر إلى ترك العمل، وأصبحت الأم والزوجتان في حيرة وخوف.
لم تكن تعرف ماذا جرى لأبنائها.
كانت تسأل نفسها، ودموعها تسبق كلماتها:
ماذا حدث؟ هؤلاء أبنائي الذين ربيتهم، وكنت أراهم مثالًا للصلاح والبر والنجاح!
تفاقمت المشكلة، وأصبحت الأم تعيش أيامًا صعبة، بين الخوف على أبنائها والحزن على ما وصلت إليه حياتهما.
وحين تحدثت إليّ عن مشكلتها، سعينا إلى احتواء الأمر، وبفضل الله وجد أحد أهل الخير من يتكفل بعلاجهما، فذهبا إلى العلاج، وعادا بحمد الله بخير وعافية، وعادت الأم تتنفس شيئًا من الأمل.
لكن المعركة لم تنتهِ.
بعد فترة انتكست حالتهما، وعادا إلى السلوك السابق، حتى انتهت الحكاية نهاية مؤلمة؛ أحد الابنين دخل السجن، والآخر توفي.
وبقيت الأم تحمل في قلبها حكاية لا تنتهي، وتبكي على ابنين كانت تراهما يومًا ثمرة عمرها وتعبها.
رسالتي
إن هذه القصة ليست عن أسرة واحدة، وإنما هي رسالة لكل أب وأم، ولكل شاب وفتاة.
الصديق ليس شخصًا نقضي معه الوقت فقط، بل قد يكون سببًا في بناء حياتنا أو هدمها.
لذلك علينا أن نحسن اختيار من نرافق، وأن نعلّم أبناءنا ألا يمنحوا ثقتهم لكل من يقترب منهم، وأن يكون الحوار بين الآباء والأبناء حاضرًا دائمًا، حتى لا نكتشف المشكلة بعد أن تكبر.
قد تبني الأسرة أبناءها سنوات طويلة، وتغرس فيهم القيم والأخلاق، لكن رفقة سيئة قد تحاول أن تهدم كل ذلك في وقت قصير.
فاحذروا أصدقاء السوء، واحذروا الثقة العمياء، وكونوا قريبين من أبنائكم قبل أن تحتاجوا إلى البحث عنهم بعد فوات الأوان.
وفي النهاية، تبقى الأم هي القلب الذي لا يتوقف عن الدعاء لأبنائها، حتى عندما تتعبها الحياة، وحتى عندما يخذلها الواقع.
ولعل أقسى ما في هذه التجربة أن الأم لم تفقد أبناءها في يوم واحد؛ بل كانت تراهم يتغيرون أمام عينيها، خطوة بعد خطوة، وهي تحاول أن تعيدهم إلى الطريق.
رحم الله من رحل، وفرّج الله كربة من بقي، وحفظ أبناءنا جميعًا من رفقة السوء، وكتب لكل أم فرحةً بأبنائها لا تنتهي.
هذه هي الحياة… قد تمنحنا أجمل الثمار بعد سنوات من التعب، لكنها تعلمنا أيضًا أن المحافظة على النعمة مسؤولية، وأن حسن الاختيار قد يكون أحيانًا أهم من حسن البداية.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *