بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
ليست كلُّ كلمةٍ تحتملها الأسماع كما قيلت، ولا كلُّ نظرةٍ تحمل المعنى الذي توهَّمناه، ولا كلُّ صمتٍ يعني جفاءً، ولا كلُّ غيابٍ يعني إهمالًا. فكثيرٌ مما يُفسد العلاقات بين الناس لا يبدأ بحقيقةٍ مؤلمة، بل بظنٍّ سيئٍ نبت في القلب، ثم سقته الأوهام حتى أصبح في أعيننا حقيقة.
وهنا تظهر قيمة عظيمة من قيم التعامل الإنساني: حُسن الظن.
حسن الظن ليس سذاجة، ولا غفلةً عن أخطاء الآخرين، ولا ثقةً عمياء بمن لا يستحقها؛ وإنما هو عدلٌ داخلي يمنعنا من محاكمة الناس قبل سماعهم، ومن تفسير أفعالهم بأسوأ الاحتمالات ما دام للخير فيها متسع.
فكم من صداقةٍ هدمها سوء فهم، وكم من بيتٍ دخله الجفاء بسبب كلمة فُسرت على غير مقصدها، وكم من أخوين افترقا لأن أحدهما بنى حكمه على ما سمع ولم يسأل، وكم من علاقة عمل فسدت لأن رسالةً قصيرة أو موقفًا عابرًا أُعطي معنى لم يقصده صاحبه.
ولهذا جاء القرآن الكريم ليضع سياجًا أخلاقيًا حول القلوب، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
[الحجرات: 12].
وتأمل هذا التسلسل القرآني العجيب: سوء ظن، ثم تجسس، ثم غيبة. فكأن فساد اللسان والسلوك قد يبدأ بفكرة صغيرة داخل القلب لم نتثبت منها.
ولذلك حذّر النبي ﷺ من الاسترسال وراء الظنون فقال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»، متفق عليه.
فالظن حين يتحول إلى يقين بلا دليل يصبح ظلمًا؛ لأننا نحاكم نيات الآخرين، والنيات لا يعلم حقيقتها إلا الله.
وفي حادثة الإفك، حين تناقل الناس حديثًا عظيمًا في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنزل الله درسًا خالدًا في أخلاق المجتمعات فقال:
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾
[النور: 12].
يا لها من قاعدة عظيمة: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾. فالقرآن يجعل المؤمنين كأنهم نفس واحدة؛ فما ترضاه لنفسك من الإنصاف، ارضه لأخيك، وما تكره أن يُظن بك، فلا تتعجل في ظنه بغيرك.
وحسن الظن يبدأ غالبًا من شيء بسيط: أن نبحث عن تفسيرٍ آخر.
لم يرد على رسالتك؟ ربما كان مشغولًا.
مرَّ ولم يسلم؟ ربما لم يرك.
تغير صوته أثناء الحديث؟ ربما يحمل همًّا لا تعرفه.
اعتذر عن لقاء؟ ربما وراء بابه قصة لم يخبرك بها.
وليس المطلوب أن نخترع الأعذار بلا نهاية، وإنما ألا نختار أسوأ تفسير قبل أن نعرف الحقيقة.
وهنا يلتقي حسن الظن مع فن الإنصات الذي تحدثنا عنه؛ فبدل أن نحكم، نسأل. وبدل أن نتهم، نستمع. وبدل أن نقول: “أنت قصدت كذا”، نقول: “هل هذا ما قصدته؟”
وما أعظم الفرق بين العبارتين!
الأولى تغلق باب الحوار، والثانية تفتحه.
إن العلاقات الناجحة لا تقوم على انعدام الأخطاء؛ فهذا مستحيل، وإنما تقوم على مساحةٍ من الرحمة تسمح للإنسان بأن يخطئ، وأن يشرح، وأن يعتذر، وأن يُفهم على الوجه الذي قصده لا على الوجه الذي تخيلناه.
وفي الحياة الزوجية خصوصًا، يصبح حسن الظن من أعظم حراس المودة. فإذا أصبح كل تصرف محل تحقيق، وكل تأخر موضع اتهام، وكل صمت دليلًا على الجفاء، تحولت الحياة إلى محكمة لا إلى بيت. وكذلك بين الأصدقاء والإخوة وزملاء العمل؛ فالعلاقة التي تفقد الثقة تصبح مرهقة، حتى وإن بقي ظاهرها سليمًا.
أما في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، فقد ازدادت المشكلة تعقيدًا.
نحن اليوم نقرأ كلمات بلا نبرة صوت، ونرى صورًا بلا سياق، ونستقبل رسائل مقتضبة بلا تعابير وجه. ورب كلمة كُتبت على عجل، حملها قارئها ما لم تحتمل، ثم بدأت خصومة لم يكن لها في الأصل سبب.
والأخطر من ذلك أن بعض الناس أصبح يبني أحكامه على الآخرين من منشور، أو صورة، أو مقطع مبتور، فينتقل من الظن إلى الاتهام، ومن الاتهام إلى التشهير، قبل أن يسأل نفسه: هل أعرف القصة كاملة؟
وهنا يصبح التثبّت شقيق حسن الظن.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6].
فالخبر ليس حقيقة لمجرد أنه وصل إليك، وكثرة من يتناقلونه لا تجعله صحيحًا، وما يُقال عن إنسان لا ينبغي أن يتحول إلى حكم عليه حتى نتثبت.
ومع ذلك، فإن حسن الظن لا يعني إلغاء العقل. فإذا قامت الأدلة الواضحة، أو تكرر الضرر، أو ظهرت الخيانة، فالحكمة تقتضي الحذر. فالإسلام لا يدعونا إلى السذاجة، وإنما يدعونا إلى العدل؛ فلا نتهم بلا بينة، ولا نغفل عن البينة حين تظهر.
وحسن الظن الحقيقي لا يكون بالناس وحدهم، بل يبدأ بحسن الظن بالله؛ أن تؤمن أن وراء تأخر بعض أمنياتك حكمة، ووراء بعض المنع رحمة، وأن ما لم تفهمه اليوم قد يكشف لك الزمن غدًا جانبًا من حكمته. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي»، متفق عليه.
فمن امتلأ قلبه ثقة بالله، كان أهدأ في مواجهة الحياة، وأقل استعجالًا في الحكم على أقداره وعلى الناس.
ولنتعلم قبل أن نحكم على أحد أن نسأل أنفسنا: هل رأيت الحقيقة، أم رأيت تفسيرًا صنعه عقلي للحقيقة؟
فبين الاثنين مسافة قد تكون فيها نجاة علاقة كاملة.
دع للناس مساحةً يشرحون فيها أنفسهم، والتمس لهم العذر ما استطعت، ولا تجعل قلبك محكمةً تُصدر الأحكام في غياب أصحابها. وإن جاءك خبر عن شخص تحبه، فاسأله قبل أن تصدقه عليه؛ فسنوات المودة أحق بالثقة من دقائق الوشاية.
إن حسن الظن راحة قبل أن يكون خُلُقًا؛ فصاحبه ينام وقلبه أخف، ولا يقضي أيامه في تحليل الكلمات والنظرات والمواقف، ولا يحمل في صدره معارك ربما لم تقع إلا في خياله.
وفي نهاية الأمر، لسنا مطالبين بأن نثق بكل إنسان، ولكننا مطالبون بأن نعدل مع كل إنسان.
فأحسنوا الظن ما وجدتم للخير سبيلًا، وتثبتوا قبل الحكم، واسألوا قبل الاتهام، واستمعوا قبل الخصام؛ فقد تكون الحقيقة أبسط كثيرًا من القصة التي صنعها الظن في عقولكم.
فبعض العلاقات لا تنتهي لأن المحبة ماتت، بل لأن سوء الظن سبق الحقيقة إلى القلب.
وحين نحسن الظن، لا نحفظ الآخرين وحدهم من ظلم أحكامنا… بل نحفظ قلوبنا أيضًا من تعبٍ لم يكن له داعٍ.
وهكذا يصبح حسن الظن أكثر من خُلُق جميل؛ يصبح مفتاحًا لعلاقاتٍ يسكنها الأمان، وتحرسها الثقة، ويزينها العدل، وتبقيها المودة.














