قبل أن أبدأ… مقالي:
أدرك أن استعادة بعض صفحات الماضي قد تزعج البعض، وأن الحديث عن سنوات الحرب يعيد إلى الذاكرة جراحا ما زالت آثارها حاضرة في نفوس كثيرين. وما أكتبه هنا ليس دعوة إلى إحياء عداوة، ولا تحريضا على شعب، ولا محاولة لإعادة إنتاج خصومات انتهى زمنها؛ فالشعوب، في نهاية المطاف، هي أكثر من يدفع ثمن الحروب، والأمهات على جانبي الحدود يعرفن جيدا أن للدمعة اللغة نفسها، وأن فقد الأبناء لا وطن له.
لكن هناك فرقا كبيرا بين تمجيد الحرب وبين الاعتزاز بمن دافع عن وطنه عندما وجد نفسه في ميدانها.
فالدفاع عن الوطن ليس موقفا سياسيا عابرا، بل واجب تمليه قيم الرجال، وتسبقها قيم الدين والإنسانية والكرامة. وحين تصبح الأرض والبيت والأهل في دائرة الخطر، لا يسأل الإنسان أولا عن هوية القادم، بل يسأل نفسه: ما واجبي تجاه وطني؟
لهذا، حين أكتب عن رجال العراق وعن وقفاتهم في تلك السنوات، فإنني لا أكتب لأن الطرف الآخر كان إيران تحديدا، ولا أحمل في حديثي ضغينة تجاه الشعب الإيراني أو أي شعب آخر. ولو كان التهديد قادما من جهة أخرى، ومن حدود أخرى، وباسم دولة أخرى، لتغيّرت الجغرافيا والتضاريس والأسماء،
لكن الموقف عند الرجال لا يتغير: الوطن يُدافع عنه.
فلو كانت الساحة صحراء بدل الأهوار، أو جبالا بدل السهول، أو كان الخصم يحمل اسما آخر، لبقي الواجب هو الواجب، وبقي العراق هو العراق.
وهذه هي النقطة التي أريد أن تُقرأ بها كلماتي.
أنا لا أكتب تاريخ الحرب لأحتفل بالحرب؛ بل أكتب عن معدن الإنسان عندما امتحنه الوطن.
أكتب عن الذين وجدوا أنفسهم في الخندق فثبتوا، وعن الذين كانوا خلف الخندق فواصلوا العمل، وعن أمهات حملن قلق البيوت بصمت، وعن عمال وأطباء ومهندسين ومدرسين وفلاحين أبقوا الحياة قائمة بينما كانت المدافع تتحدث بلغتها القاسية.
ولا ينبغي أن يكون الاعتزاز بمن دافع عن العراق إساءة إلى أحد.
كما أن احترام تضحيات جنود أي وطن دفاعا عن أرضهم لا يعني تبرير الحروب أو إنكار آلام الآخرين.
فالسلام قيمة عظيمة، لكن السلام الحقيقي لا يعني أن ينسى الإنسان حق وطنه عليه، ولا أن يخجل من ذكر رجال وقفوا حين كان الوقوف واجبا.
لقد انتهت تلك الحرب، وينبغي أن تبقى الحرب منتهية في النفوس أيضا. واليوم تجمع شعوب المنطقة مصالح وجوار وتاريخ ومستقبل أكبر بكثير من أن يبقى أسير صفحات دامية مضت.
لكن المصالحة مع المستقبل لا تعني محو الذاكرة.
والسلام لا يعني نسيان الشجاعة.
واحترام الآخر لا يعني أن نتنازل عن فخرنا برجال وطننا.
ومن هذا المعنى أستعيد تلك السنوات؛ لا لأفتح خندقا قديما، وإنما لأتذكر من وقف فيه.
فعندما اختبرتُ الرجال في ساحات القتال، عرفت أن الدفاع عن الوطن لا يحتاج إلى كراهية أحد؛ يكفي أن تحب وطنك بما يكفي لتقف من أجله.
ومن هنا تبدأ حكايتي مع حراس البوابة الشرقية… رجال العراق الذين عرفتهم المواقف قبل أن تكتب عنهم الكلمات.
عندما اختبرت الأيام الرجال… كان للعراق رجال
حين تُذكر الأوطان، يختلف الحديث عن العراق.
فالعراق ليس اسما على خارطة، ولا حدودا ترسمها السياسة، ولا مرحلة عابرة في كتاب التاريخ. العراق ذاكرة تسكن القلب، ونخلٌ يعلو كلما عصفت به الريح، ودجلة وفرات يجريان في وجدان أبنائه أينما حملتهم الحياة.
وحين أتحدث عن العراق، فإنني أتحدث عن وطن رأيتُ معدن رجاله حين اشتدت المحن، وحين لم تعد الكلمات تكفي، وأصبح للموقف ثمن، وللثبات معنى، وللوطن رجال يقفون عند أبوابه.
عندما اختبرت الأيام الرجال في ساحات القتال… كان للعراق رجال.
رجال وقفوا سنوات طويلة في خنادقهم، لا لأن الحرب كانت أمنيتهم، ولا لأن الموت كان مطلبهم، وإنما لأن وراءهم وطنا، وبيوتا، وأمهات، وأطفالا، ومدنا كانت تنتظر منهم أن يبقوا واقفين.
كانت البصرة خلفهم.
وكان العراق كله خلف البصرة.
وكان في قلب كل واحد منهم شيء يقول:
من هنا لا يُعبر إلى العراق.
ثماني سنوات كانت أطول من أن تختصرها رواية، وأثقل من أن تحمل تفاصيلها صفحات قليلة.
تعاقبت فيها الليالي والفصول، وتبدلت ساحات المعارك، وغاب رفاق وعاد آخرون، وبقي رجال العراق يعرفون أن الخندق ليس مجرد حفرة في التراب؛ كان حدا بين الجندي وأهله، وبين الخوف والواجب، وبين وطن يجب أن يبقى ومصير لا يعرف أحد إلى أين سينتهي.
ولهذا سمّاهم التاريخ الشعبي العراقي حراس البوابة الشرقية.
ليس لأنهم أحبوا الحرب، بل لأنهم حين جاءت الحرب إلى أبوابهم عرفوا كيف يقفون.
وفي أصعب الأيام لم تكن المسألة بطولة فرد، بل كانت بطولة وطن كامل.
كان المقاتل في خندقه يؤدي واجبه، وفي الخلف كان عراق آخر يقاتل بطريقته.
طبيب في المستشفى يواصل عمله.
عامل يقف أمام آلته.
مهندس يحاول أن يبقي مشروعا أو مصنعا حيا.
أستاذ يدخل إلى طلبته.
فلاح يشق الأرض ويزرعها.
وأم عراقية تخفي دمعتها وتضع الطعام أمام أطفالها وتقول لهم إن أباهم سيعود.
كانت تلك أيضا ساحات قتال.
فليس كل خندق محفورا في الأرض.
هناك خنادق في المصانع.
وخنادق في المستشفيات.
وخنادق في المدارس والجامعات.
وخنادق داخل البيوت التي حاول أصحابها أن يبقوا الحياة مستمرة رغم أصوات الحرب.
ومن هنا كانت عظمة العراقيين.
كانوا يقاتلون لكي تبقى الأرض، ويعملون لكي تبقى الحياة فوق تلك الأرض.
مرت سنة وراء سنة، وكانت الأسئلة تتكاثر:
إلى متى؟
كم من الدم يجب أن يسيل حتى تتوقف الحرب؟
ولماذا بقي الطرف الآخر مصرًا على مواصلتها رغم كل ما أخذته من الشعبين؟
ذلك سؤال سيبقى للتاريخ والسياسة والباحثين.
لكن ما بقي في ذاكرة العراقيين أكثر وضوحا هو أن بلادهم صمدت، وأن رجالهم ثبتوا، وأن الحرب التي أُريد لها أن تستمر انتهت أخيرا عندما أُعلن قبول وقف إطلاق النار.
وعندما وصف الإمام الخميني قبول قرار وقف الحرب بأنه أشبه بـ تجرع كأس السم، كانت تلك العبارة وحدها كافية لكي يدرك العراقي الذي عاش سنوات الجبهة معنى اللحظة.
لم يكن يحتاج إلى خطاب طويل.
فهو يعرف ماذا دفع.
ويعرف ماذا تحمل.
ويعرف كم كان الطريق طويلا حتى جاء ذلك اليوم.
لكن أعظم ما ينبغي أن نتذكره اليوم ليس صوت المدافع.
بل صوت الإنسان العراقي الذي ظل واقفا رغم كل شيء.
ذلك هو الفخر الحقيقي.
أنك حين تعود بذاكرتك إلى تلك السنوات لا ترى الجنود وحدهم، وإنما ترى وطنا بكامله يرفض أن تتوقف فيه الحياة.
وترى معنى نادرا للرجولة:
أن تخاف… ثم تقف.
أن تتعب… ثم تواصل.
أن تفقد رفيقا… ثم تحمل وجعه معك وتؤدي واجبك.
وأن تكون بعيدا عن أطفالك، لكنك تقنع نفسك أن صبرك من أجل أن يبقوا هم آمنين.
هذه ليست تفاصيل حرب فحسب.
إنها صفحات من معدن الرجال.
العراق أكبر من الحروب
وإذا كان لنا اليوم أن نفخر بأولئك الرجال، فعلينا أيضا أن نفهم الرسالة الأعمق التي تركوها لنا.
العراق لم يولد في حرب، ولن يختصر تاريخه بحرب.
هذا وطن علّم العالم الكتابة قبل آلاف السنين.
ومن ترابه خرجت حضارات تركت للبشرية القانون والعلم والفكر.
ومن مائه قامت المدن.
وفي أرضه عاش الشعراء، والعلماء، والفلاحون، والجنود، والمهندسون، والأطباء.
ولذلك فإن أعظم وفاء لمن دافعوا عن العراق بالأمس أن نحميه اليوم بالعلم، والعمل، والوحدة، والبناء.
فاليد التي أمسكت السلاح دفاعا عن الأرض تستطيع أن تمسك أداة البناء.
والإرادة التي ثبتت في الخندق تستطيع أن تبني مصنعًا وجامعة ومستشفى.
والعراقي الذي استطاع أن يصبر في أصعب السنوات قادر على أن ينهض بوطنه إذا اجتمعت الإرادات على العراق لا على المصالح الصغيرة.
ويبقى العراق فينا
مرّت الأيام.
ومرّت بعدها على العراق محن أخرى كثيرة.
تغيرت الأنظمة والوجوه والشعارات، وامتلأت الذاكرة بأحداث تكفي أعمارا كاملة.
لكن شيئا واحدا لم يتغير:
ذلك العراق الذي نحمله في صدورنا.
قد نغضب منه.
وقد نتألم لما جرى له.
وقد نبكي ونحن نرى ما لا يليق بتاريخه وثرواته وأبنائه.
لكننا لا نستطيع أن نكون غرباء عنه.
يكفي أن نسمع اسم البصرة حتى تهب رائحة النخل.
ويكفي أن يُذكر الفرات حتى تتحرك طفولة بعيدة.
ويكفي أن يقول أحدهم “العراق” حتى تستيقظ في الروح أشياء لا تستطيع اللغة تفسيرها.
إنه الوطن الذي قد نغادره، لكنه لا يغادرنا.
الوطن الذي إذا ابتعدنا عنه حملناه معنا.
وإذا تقدم بنا العمر ازددنا تعلقا بأزقته، وأهله، ولهجته، ونخيله، وأنهاره.
ولهذا حين أتذكر رجال العراق الذين رأيتهم في أيام الشدة، لا أتذكر وجوها عابرة.
أتذكر معنى.
أتذكر رجلا وقف في خندق.
وآخر وقف في مصنع.
وطبيبا وقف في مستشفى.
وأستاذا وقف أمام طلبته.
وفلاحا بقي يزرع الأرض.
وأماً وقفت وحدها تحرس بيتا وأطفالا وأملا بالعودة.
كلهم كانوا حراس العراق.
بعضهم حمل بندقية.
وبعضهم حمل كتابا.
وبعضهم حمل مشرطا.
وبعضهم حمل معولا.
وبعضهم لم يحمل إلا قلبا عراقيا كبيرا وقال:
لن تتوقف الحياة.
هذه هي البطولة التي نفخر بها.
وهذا هو العراق الذي نحب.
ليس عراق الحروب، وإنما العراق الذي خرج من الحروب وبقي واقفا.
ليس عراق الموت، وإنما العراق الذي أصر دائما على الحياة.
وإذا سألتني بعد كل هذه السنوات:
ماذا بقي في القلب؟
سأقول:
بقيت وجوه رجال عرفتهم المحنة فعرفتُ من خلالها معنى الرجال.
وبقيت أم عراقية تنتظر.
وبقي نخيل البصرة شامخا.
وبقي دجلة والفرات.
وبقي ذلك الشعور الذي لا يشيخ مهما شاخ الإنسان:
أن العراق وطن لا يمكن أن نحبه قليلا.
إما أن يسكنك كله… أو لا تعرف العراق.
سلامٌ على العراق.
سلامٌ على من وقفوا يوم كان الوقوف موقفا.
سلامٌ على من حفظوا له أرضه، وعلى من حفظوا له حياته.
وسلامٌ على كل عراقي ما زال يؤمن بأن هذا الوطن، مهما أثقلته الجراح، قادر أن ينهض مرة أخرى.
فالعراق الذي أنجب رجال الخنادق، أنجب العلماء والمبدعين والبنّاة أيضا.
وخير وفاء للأبطال أن يكون عراق المستقبل عراقا قويا بعلمه، عزيزا بأبنائه، آمنا لأطفاله، مزدهرا بخيراته، لا يحتاج أبناؤه إلى خندق جديد.
وعندما اختبرت الأيام الرجال… كان للعراق رجال. وعندما يحين زمن البناء، سيبقى للعراق رجال.










