بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
قد يرفع المنصب الإنسان في أعين الناس، لكن الأخلاق وحدها هي التي ترفعه في القلوب. وقد يمنح المال صاحبه نفوذًا، ويمنحه العلم مكانة، ويمنحه الجاه احترامًا ظاهريًا، إلا أن التواضع هو الذي يمنح كل ذلك قيمةً حقيقية، ويجعل صاحبه محبوبًا قبل أن يكون مشهورًا.
ولعل أجمل ما في التواضع أنه لا يُشترى، ولا يُورث، ولا تمنحه المناصب، بل هو ثمرة نفسٍ عرفت ربها، فأدركت أن الفضل كله من الله، وأن الإنسان مهما بلغ من علم أو جاه أو سلطان، فإنه يبقى عبدًا ضعيفًا، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله.
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يكون؛ بعدد متابعيه، أو حجم ثروته، أو لقبه الوظيفي، حتى ظن بعض الناس أن الكِبر دليل قوة، وأن التواضع دليل ضعف. ولو علموا الحقيقة، لأدركوا أن المتكبر يخفي نقصًا في داخله، أما المتواضع فقد امتلأ قلبه ثقةً بنفسه، فلم يعد بحاجة إلى أن يتعالى على أحد.
ولهذا جاء الإسلام ليقلب هذه الموازين، ويجعل ميزان التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، لا الجاه ولا النسب ولا المال. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ويقول سبحانه في وصف عباده الصالحين:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63].
إنها ليست طريقة مشي فحسب، بل أسلوب حياة؛ يمشون بتواضع، ويتحدثون بتواضع، ويعاملون الناس بتواضع، فلا يرون لأنفسهم فضلًا على أحد.
وكان رسول الله ﷺ أعظم الناس تواضعًا، مع أنه سيد ولد آدم. كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويصافح الصغير والكبير، ويعود المريض، ويجيب دعوة الفقير، ويخدم أهله، حتى قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “كان في مهنة أهله.” فما منعه مقام النبوة من أن يكون قريبًا من الناس، بل كان تواضعه سببًا في أن تتعلق به القلوب قبل الأبصار.
وقال ﷺ: «وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله». فهذه سنة ربانية عجيبة؛ كلما تواضع الإنسان لله، رفعه الله في الدنيا والآخرة. فالرفعة الحقيقية لا تأتي من طلبها، بل تأتي حين يزهد الإنسان فيها، ويجعل همَّه حسن الخلق وصلاح العمل.
وليس التواضع خلق الأنبياء وحدهم، بل كان سمةً بارزة في حياة الصحابة والعلماء. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بعدما أصبح خليفة للمسلمين، لم تمنعه الخلافة من قضاء حوائج الضعفاء. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحمل الطعام بنفسه للأرامل والمساكين، ويقول: “أتحمل عني وزري يوم القيامة؟” حين عرض عليه أحدهم أن يحمل عنه.
لقد فهم أولئك العظماء أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا، وأن القيادة الحقيقية ليست في أن يسير الناس خلفك خوفًا، بل أن يقتربوا منك حبًا واحترامًا.
والتواضع لا يعني أن يحتقر الإنسان نفسه، ولا أن يتنازل عن كرامته، ولا أن يقبل الظلم. فهناك فرق كبير بين التواضع والذل؛ فالتواضع قوة تنبع من الثقة بالنفس، أما الذل فهو ضعف يفرضه الخوف أو الطمع. ولذلك كان أعظم الناس تواضعًا هم أنفسهم أشدهم عزةً وثباتًا على الحق.
وفي بيئات العمل، لا يخلد الناس المدير الذي كان يذكرهم بمنصبه كل يوم، وإنما يخلدون ذلك القائد الذي كان يسمعهم، ويشجعهم، ويعامل الجميع باحترام. فالقيادة ليست بابًا للتعالي، بل مسؤولية لخدمة الناس، وكلما اقترب القائد من فريقه بتواضع، ازداد تأثيره وارتفعت مكانته.
أما في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح التواضع عملة نادرة. فهناك من يتفاخر بما يملك، وآخر بما يعرف، وثالث بما حقق، حتى غلب استعراض الإنجازات على شكر الله عليها. ومع ذلك، يبقى الناس ينجذبون بالفطرة إلى الإنسان المتواضع، لأن التواضع لا يحتاج إلى إعلان، بل يظهر في نبرة الصوت، وفي اختيار الكلمات، وفي طريقة معاملة الآخرين.
ومن أجمل صور التواضع أن يفرح الإنسان بنجاح غيره، وأن يعترف بفضل من علمه، وأن يقبل النصيحة ولو جاءت ممن هو أصغر منه سنًا أو أقل منه منزلة. فالعقول الكبيرة تبحث عن الحقيقة، لا عن الانتصار للنفس.
ولعل السنابل تعلمنا درسًا بليغًا؛ فالسنبلة الممتلئة بالحب تنحني، أما الفارغة فتبقى منتصبة. وكذلك الإنسان، كلما امتلأ علمًا وإيمانًا وخبرةً، ازداد تواضعًا، وأدرك أن ما يجهله أكثر مما يعلمه، وأن فضل الله عليه أعظم من كل ما حققه.
فلا تجعل منصبك جسرًا تتعالى به على الناس، بل اجعله وسيلةً لخدمتهم. ولا تجعل علمك سببًا للإعجاب بنفسك، بل اجعله نورًا تهدي به غيرك. ولا تجعل نجاحك بابًا للغرور، بل نافذةً للشكر والامتنان.
فالتواضع ليس أن تنزل من مكانتك، وإنما أن ترتفع بأخلاقك. وليس أن يراك الناس صغيرًا، بل أن يروك كبيرًا في تواضعك قبل مكانتك.
وإذا كان الناس يذكرون أصحاب المناصب حتى تنتهي مناصبهم، فإنهم يذكرون أصحاب الأخلاق ما بقيت آثارهم. ولهذا، فإن أعظم إرث يتركه الإنسان ليس لقبًا وظيفيًا، ولا رصيدًا ماليًا، بل قلبًا أحبه الناس، ودعوةً صادقة خرجت من أفواههم لأنهم عرفوا فيه إنسانًا تواضع لله… فرفعه الله في الدنيا، ويرجو أن يرفعه في الآخرة.














