الفرق بين الهدية الرشوة.. منبر الهيثم بالتجمع الخامس يستعرض سبل الحماية والوعي الديني في لقاء متميز (صور)

د. أحمد علي سليمان يكشف المعيار النبوي للتفرقة بين الهدية والرشوة
الرشوة بكل صورها (مادية وخفية ومعنوية) جريمة مركبة تُفسد الذمم وتهدم الأوطان… وبناء الإنسان هو خط الدفاع الأول لمواجهتها

• تورية الرشوة أو إخفائها .. حين تتغير الأسماء ويبقى الحرام حرامًا
• من قصة سور الصين العظيم إلى واقعنا المعاصر.. خطبة تحذر من خطورة الرشوة
• الضمير والرقابة الذاتية.. السور الحقيقي لحماية المجتمعات من الرشوة والفساد

القاهرة الجديدة: كتب – عمر سليمان

رحيل محمد رواش شقيق مدير اعتماد المؤسسات التدريبية بهيئة جودة التعليم

عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية يؤكد أن الإسلام وضع منظومة متكاملة للحياة الصالحة الاجحة وصيانة المال العام وتجفيف منابع الفساد، محذرًا من الرشوة الخفية وتغيير مسمياتها، داعيًا إلى بناء الضمير الإنساني وترسيخ النزاهة والشفافية ومراقبة الله؛ بوصفها الحصن الحقيقي لحماية الإنسان والمجتمع والدولة من الفساد.
أكد فضيلة الدكتور أحمد علي سليمان، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن جريمة الرشوة تُعد من أخطر الآفات التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها؛ لما يترتب عليها من إهدار للحقوق، وإفساد للذمم، وتقويض لمنظومة العدالة، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية الاقتصادية والاجتماعية، محذرًا من آثارها الممتدة على حاضر الأوطان ومستقبلها.

 

جاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلته بمسجد الهيثم بالمستثمرين الجنوبية بالتجمع الخامس في القاهرة الجديدة، بعنوان: «جريمة الرشوة وأثرها في إفساد المجتمع» يوم الجمعة 31 مايو 2026م، حيث تناول القضية من منظور قرآني ونبوي وفقهي وواقعي، مستعرضًا أسبابها وآثارها وسبل الوقاية منها، في إطار رؤية إسلامية متكاملة؛ لبناء الإنسان الصالح النافع وحماية المجتمع… وذلك بحضور مكثف من أهالي المنطقة، يتقدمهم الأستاذ نبيل عبد الحميد (مؤسس المسجد)، والأستاذ صلاح شهاب، والمهندس محمود علي حسن، والدكتور محمد العفيفي، والأستاذ كمال أحمد، وعدد من الشخصيات العامة، والسادة رواد المسجد.

في خطبة الجمعة بمسجد الهيثم بالتجمع الخامس
واستهل فضيلته الخطبة بحمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله (ﷺ)، داعيًا الله أن يتقبل من القائمين على المسجد ورواده صالح الأعمال، وأن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتهم، مؤكدًا أن الله (سبحانه وتعالى) خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرَّمه بالعقل، وذلل له الأرض، وفضله على كثير من خلقه، وأرسل إليه الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشرائع؛ ليهديه إلى الطريق المستقيم الذي تتحقق به سعادته في الدنيا وفوزه في الآخرة.
وأوضح أن الشريعة الإسلامية حددت المقاصد الكبرى للوجود، حيث خلقنا الله (سبحانه وتعالى)، وجاء بنا إلى هذه الحياة، وحدد لنا ثلاث غايات كبرى من وجودنا، وهي:
1. عبادة الرحمن
2. عمارة الأكوان
3. رعاية الإنسان
وهذا المقاصد لا تستقيم الحياة إلا بها.

وأشار الدكتور أحمد علي سليمان إلى أنَّ مِن نِعم الله على الإنسان أن أودع فيه غرائز فطرية تحفظ بقاء الحياة واستمرارها، وتعينه على أداء رسالته في الاستخلاف وعمارة الأرض والكون والحياة، يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: 165)، موضحًا أن هذه الغرائز تتحول إلى وسائل للبناء والإصلاح إذا انضبطت بهدي الشرع الحنيف، وقد تنقلب إلى أسباب للفساد والهلاك إذا انفلتت من ضوابط الدين والعقل.


وأوضح أن غريزة الجوع تدفع الإنسان إلى طلب الغذاء، ولولاها لما أقدم الإنسان على الطعام بشكل دوري يسهم في حفظ الحياة، بينما جعل الله غريزة الحب أساسًا للألفة والمودة والرحمة وبناء الأسرة، كما أودع فيه الميل الفطري إلى الطرف الآخر؛ حفاظًا على النسل واستمرار البشرية وتحقيق عمارة الأرض. وأضاف أن الإنسان مفطور كذلك على التآلف والتعاون، وهو ما تؤكده الآية الكريمة: (…وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 251)، كما فطر الله الإنسان على التدين والتوجه إلى خالقه، وعلى تقدير الذات، وطلب الأمن، والاستمتاع بالترفيه المباح، وبناء الجمال، والتنافس الشريف، وكلها غرائز وجهها الإسلام لخدمة الإنسان والمجتمع.

واختتم فضيلته هذا الجانب بالتأكيد على أن غريزة حبّ التملك تمثل دافعًا رئيسًا إلى العمل والكسب والإنتاج والبناء والإعمار، غير أنها إذا خرجت عن الضوابط الشرعية؛ تحولت إلى طمع وجشع وفساد وإفساد في الأرض، ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بمنظومة دقيقة لتنظيم: كسب المال، وتملكه، والتصرف فيه؛ حتى يظل المال وسيلة للبناء والإصلاح، لا بابًا للظلم والاعتداء على حقوق الآخرين.
وتواصلت الخطبة بالتأكيد على أن المال نعمةٌ من نعم الله تعالى؛ وزينةٌ للحياة إذا استُثمر في الحلال، وقد يتحول إلى سبب للهلاك؛ إذا اكتُسب أو أُنفق بغير حق. مؤكدًا أن الإسلام لم يترك الإنسان أسيرًا لغريزة حب المال دون ضابط، وإنما أقام منظومة متكاملة تضبط وسائل الكسب، ووجوه الإنفاق، وطرق التداول؛ حتى يبقى المال وسيلةً للإعمار والإصلاح، لا أداةً للظلم والإفساد.

 

وأوضح عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن هذه المنظومة تبدأ بإباحة الكسب المشروع، فلا يجوز تحصيل المال إلا من طريق حلال قائم على العمل الشريف، أو التجارة الصادقة، أو الميراث، أو الوصية، أو الهبة، أو العطية، أو الزكاة والصدقات لمستحقيها، مع التحذير الشديد من كل صور أكل أموال الناس بالباطل، مستشهدًا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: 29).
وأشار إلى أن الإسلام جعل حفظ المال من الكليات الخمس التي جاءت الشريعة للحفاظ عليها، كما رفع منزلة المدافع عن ماله الحلال حتى جعل من يُقتل دون ماله في منزلة الشهيد.
وبيّن أن الشريعة قرنت نعمة المال بالشعور بالمسؤولية، فالمؤمن يعلم أنه سيُسأل يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، مستشهدًا بحديث النبي (ﷺ): (لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه؛ فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِه؛ فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه؛ فيمَ أبلاه؟)، ومن بينها السؤال عن المال مصدرًا وإنفاقًا، وهو ما يغرس الرقابة الذاتية، ويجعل المسلم يقف مع نفسه قبل كل معاملة مالية.
وأضاف أن من مقتضيات شكر نعمة المال: أداء الحقوق التي فرضها الله تعالى فيه، وفي مقدمتها الزكاة، والصدقات، وسداد الديون، والإنفاق في وجوه الخير، وتعزيز التكافل الاجتماعي، يقول تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: 19)، مؤكدًا أن المال لا يزكو إلا بأداء حق الله فيه.


كما شدد على أن الإسلام دعا إلى الاعتدال في الإنفاق، فنهى عن الإسراف كما نهى عن البخل، وأرشد إلى التوازن الذي يحفظ النعمة ويصون الحقوق، موضحًا أن التوسط في الإنفاق من دلائل كمال الإيمان وحسن التدبير.
وأشار إلى أن الشريعة لم تكتف بتنظيم الكسب والإنفاق، بل أولت عنايةً خاصة بحركة المال داخل المجتمع، فمنعت احتكاره واكتنازه والربا وكل ما يؤدي إلى تركُّزه في أيدي فئة محدودة؛ حتى يبقى المال متداولًا بين الناس ويسهم في زيادة الأعمال وتقليل البطالة، ويحقق التنمية والرخاء، مستشهدًا بقوله تعالى: (…كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ…) (الحشر: 7)، ويقول النبي (ﷺ): (المحتكِرُ ملعونٌ)؛ لما في الاحتكار من إضرار بالمجتمع وإفساد للأسواق.
وأكد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن اكتمال هذه المنظومة لا يتحقق إلا بإغلاق جميع أبواب الكسب المحرم، وفي مقدمتها: الرشوة، والسحت، والتدليس، والغش، وسائر الوسائل الملتوية التي تقوم على سلب حقوق الناس أو التحايل على الأنظمة والقوانين أو استغلال المناصب والنفوذ لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي وأمريكا اللاتينية يكرّم نقابة الصحفيين الفلسطينيين ويعلن توسيع برامج التدريب للإعلاميين الفلسطينيين

وانتقل فضيلته بعد هذا المدخل اللازم إلى صلب موضوع الخطبة، مؤكدًا أن الرشوة ليست مجرد مخالفة قانونية، وإنما هي جريمة شرعية وأخلاقية تمثل عدوانًا على الحقوق، وإفسادًا للضمائر، وتقويضًا لقيم العدالة والمساواة، مشيرًا إلى أن خطورتها لا تقف عند حدود المال الحرام؛ بل تمتد إلى هدم المؤسسات، وتعطيل الكفاءات، وإشاعة الظلم، وإضعاف ثقة المجتمع في منظومة العدالة.
وبيّن أن الرشوة هي كل مال أو منفعة تُبذل لإبطال حق، أو لإحقاق باطل، أو للحصول على حكم أو منفعة بغير وجه حق، أو لحمل صاحب ولاية أو وظيفة على الإخلال بواجبه.
ثم لفت فضيلته الأنظار إلى مفهوم الرزق الحقيقي، مبينًا أن كثيرًا من الناس يقصرون الرزق على المال، مع أن المال قد يكون أقل أنواع الرزق إذا خلا من البركة والإيمان، مؤكدًا أن الرزق أبواب واسعة تشمل الدين، والعلم، والصحة، والخلق الحسن، والذرية الصالحة، والأمن، وراحة البال، ومحبة الناس، والعافية، قائلا إن الرزق قد يكون خلقًا، أو علمًا، أو زوجًا صالحًا، أو قلبًا مطمئنًا، أو سترًا، أو أمنًا، أو حسن خاتمة، وأن السعيد حقًّا هو من رزقه الله البركة والحكمة قبل كثرة المال.
وحذر فضيلة الدكتور أحمد علي سليمان من أن أخطر ما يواجه المجتمعات المعاصرة ليس الرشوة الصريحة فحسب، وإنما الرشوة التي تُغيِّر اسمها وتُخفي حقيقتها خلف عناوين براقة، بينما يبقى جوهرها قائمًا على شراء الذمم والالتفاف على الحقوق.


وأوضح أن بعض الناس يتوهمون أن تغيير الاسم يُغيِّر الحكم، فتُسمى الرشوة مرة «إكرامية»، وأخرى «هدية»، أو «واجب ضيافة»، أو «تسهيل أمور»، بينما العبرة في الإسلام ليست بالأسماء، وإنما بالحقائق والمقاصد، مؤكدًا أن تغيير المسميات لا يغير من حقيقة الحرام شيئًا.وأشار إلى أن سيدنا النبي (ﷺ) وضع الميزان الفاصل الذي يكشف كل صور الرشوة الخفية. فعندما استعمل اسْتَعْمَلَ (ﷺ) رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ -يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتْبِيَّةِ- عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَالَ (ﷺ): (فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ). ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) ثَلاَثًا، مبينًا أن هذا الحديث الشريف أرسي قاعدة خالدة في حماية الوظيفة العامة، وهي: [أن كل هدية تُمنح بسبب المنصب أو الوظيفة، وليست لعلاقة شخصية مجردة، فإنها تدخل في دائرة الرشوة المحرمة].
وأكد أن صور الرشوة في العصر الحديث لم تعد تقتصر على تسليم المال نقدًا، وإنما اتسعت لتشمل أشكالًا متعددة من المنافع والمجاملات، من بينها الهدايا التي تُقدَّم عقب إنجاز الخدمات الواجبة، والدعوات الخاصة إلى الولائم والرحلات والمطاعم الفاخرة لأصحاب القرار، وتقديم خدمات مجانية في مجالات العلاج أو الصيانة أو التشطيب للمسؤولين، فضلًا عن الخصومات التجارية الاستثنائية التي تُمنح لذوي النفوذ دون غيرهم، أو تعيين الأقارب والمحاسيب لاستمالة أصحاب القرار، إضافة إلى صور مستحدثة، مثل: البطاقات الإلكترونية المشحونة، والعملات الرقمية، وغيرها من وسائل تقديم المنفعة بصورة غير مباشرة.


ولفت فضيلته إلى أن الرشوة قد تكون معنوية كذلك، عندما تتحول المداهنة، أو الثناء المصطنع، أو التزكيات غير المستحقة، أو المجاملات -على حساب الحق والمصلحة العامة- إلى وسيلة للتأثير في القرار أو الحصول على امتياز لا يستحقه صاحبه، مؤكدًا أن الإسلام حارب جميع الوسائل التي تُفسد الضمير أو تُضيِّع الحقوق، أو تؤثر على صاحب القرار واستمالته، مهما اختلفت صورها أو تعددت وسائلها.
وشدد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية على أن الرشوة ليست ذنبًا فرديًّا فحسب، وإنما هي جريمة مركبة غالبا ما تجمع بين: الظلم، والكذب، والتدليس، والخيانة، وأكل السحت، وإهدار الحقوق، وإقصاء الأكفاء، وإفساد الذمم، وتقويض أركان العدالة، موضحًا أن أخطر آثارها يتمثل في أنها تسلب أصحاب الحقوق حقوقهم، وتُفقد المجتمع ثقته في مؤسساته، وتُشيع روح الإحباط، وتُعطل التنمية، وتفتح أبواب الفساد على مصاريعها، مشيدًا باختيار وزارة الأوقاف المصرية هذا الموضوع ليكون محور خطبة الجمعة في جميع مساجد الجمهورية؛ تنبيهًا إلى خطورة هذه الجريمة، وتحذيرًا من آثارها الوخيمة على الفرد والمجتمع.
ولترسيخ هذه المعاني، استعرض الدكتور أحمد علي سليمان قصة تاريخية شهيرة عن سور الصين العظيم، موضحًا أن الصينيين أنفقوا أموالًا طائلة وشيَّدوا سورًا عظيمًا؛ لحماية بلادهم من الغزاة، معتقدين أن الحصانة تكمن في قوة الحجارة وارتفاع الأسوار، غير أن التاريخ يذكر أن البلاد تعرضت للاختراق أكثر من مرة في المائة سنة الأولى من إنشائه، لا لأن السور انهار، وإنما لأن الحراس قَبِلوا الرشوة، ففُتحت الأبواب من الداخل دون حاجة إلى هدم الأسوار أو تسلقها.
وأكد أن هذه القصة تجسد حقيقة بالغة الدلالة، وهي أن الرشوة قد تُسقط من الداخل ما قد تعجز الجيوش عن إسقاطه من الخارج، وأن انهيار الضمير أخطر من انهيار الحصون، فإذا فسد الإنسان لم تعد الحواجز المادية قادرة على حماية الأوطان أو المؤسسات.

مجلس القضاء الأعلى يعتمد حركة المحامين العامين الأول للعام القضائي 2026/2027

واختتم فضيلة الدكتور أحمد علي سليمان خطبته بالتأكيد على أن الرشوة من كبائر الذنوب وعظيم الآثام، وقد توعَّد الشرع الشريف: “الراشي، والُمرتشي، والرائش بينهما”، باللعن والوعيد الشديد؛ لما تُفضي إليه من إفسادٍ للذمم، وإهدارٍ للحقوق، وإشاعةٍ للظلم، وتعطيلٍ لمصالح العباد والبلاد، وتقويضٍ لقيم العدل والنزاهة التي يقوم عليها استقرار المجتمعات ونهضتها.
واستشهد فضيلته بحديث ثوبان (رضي الله عنه) أن النبي (ﷺ) قال: (لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ، وَالرَّائِشَ)، موضحًا أن الرائش هو الوسيط بين الطرفين، وأنَّ اللعن في الشريعة يعني الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، ولا يرد إلا في شأن الكبائر والموبقات العظام، وهو ما يكشف عن جسامة هذه الجريمة وخطورة آثارها على الفرد والمجتمع.
ولترسيخ قيمة النزاهة في الحياة وصيانة المال العام، استحضر عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية نماذج مضيئة من تاريخ الأمة الإسلامية، وفي مقدمتها موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مع ولديه عبد الله وعبيد الله، عندما أقرضهما أبو موسى الأشعري مالًا من بيت مال المسلمين ليتاجرا به أثناء عودتهما من العراق بعد رحلة جهاد، فلما علِم عمر بذلك رفض أن ينفردا بميزة لم تتح لبقية أفراد الجيش، وأمر برد رأس المال إلى بيت المال، وتقسيم الربح بما يحقق العدل ويمنع شبهة المحاباة، في صورة خالدة تجسد أسمى معاني الأمانة والشفافية وحماية المال العام.
كما أشار إلى موقف الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)، الذي كان إذا فرغ من شؤون المسلمين وأراد الحديث في أمر خاص أطفأ شمعة بيت المال، وأوقد شمعة من ماله الخاص، تورعًا عن الانتفاع بشيء من المال العام في غير ما خُصص له، مؤكدًا أن هذه النماذج الشريفة والملهمة صنعت حضارة قوامها الأمانة والعدل، وكانت سببًا في قوة الدولة وسيادتها وتماسكها.


وسلط خطيب الجمعة الدكتور أحمد علي سليمان الضوء على الحكم الشرعي الصادر عن دار الإفتاء المصرية عند سؤالها عن حكم اضطرار المواطن لدفع المال لاستخلاص حقه أو دفع الظلم عن نفسه إزاء تعنت بعض الموظفين المتكاسلين أو المبتزين . واستشهد د. أحمد سليمان بفتوى فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة (مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء)، والتي تقرر حسم الجدل الفقهي
وتأكيد أن الرشوة محرَّمة شرعًا بكل صورها وبجميع مراتبها ومستوياتها؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 188)، ولحديث النبي (ﷺ): (لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ، وَالرَّائِشَ)، موضحا أن اقتران الفعل بـ “اللعن” يرفعه إلى مرتبة كبائر الذنوب والموبقات العظام. كما حذرت الفتوى من أن المرتشي يدخل في جوفه وجوف من يعول المال الحرام، يقول النبي (ﷺ): (لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن نَبَتَ لَحمُهُ مِن سُحْتٍ)، وبأنه يحرِم نفسه من نعمة استجابة الدعاء؛ لقوله (ﷺ): (أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُستَجابَ الدَّعوةِ).
التفريق الشرعي بين الآخذ والمعطي:
وحول المسألة الدقيقة المتعلقة بدفع المال لاستخلاص حق ثابت أو دفع ضرر ومظلمة، أوضح الخطيب نقلاً عن الإفتاء أن الفقهاء توسعوا في المفهوم وشخصوا الحالة بأنها تدخل شكلانيًّا في مسمى الرشوة، إلا أنهم قصروا الحرمة واللَّعْن والإثم على “الآخذ” (المرتشي) وحده دون “المعطي” (المُكْرَه)، وذلك وفق شروط وقيود صارمة:
1. استنفاد كل الحيل والسبل للحصول على الحق أو دفع الظلم بأن يبذل المواطن غاية وسعه، ويستنجد ويستغيث بكل مَن يظن فيه القدرة على إيصال حقه أو رفع الظلم عنه.
2. تحقق حالة الاضطرار: إذا ضاقت بالمواطن السبل ولم يجد مُعينًا أو مُغيثًا؛ لإنقاذ حقه أو عرضه أو ماله، أو دفع الضرر عنه.
3. إعمال القواعد الفقهية الكبرى: يُكيَّف تصرف المواطن حينها بأنه يقع تحت قاعدة “ارتكاب أخف الضررين ودفع أشد المفسدتين”، وهي قاعدة متفق عليها بين أصحاب المذاهب.
وشدد الدكتور أحمد علي سليمان على أن هذا التكييف الفقهي والاستثناء الشرعي للمواطن (المُكْرَه) لا يجوز بحال من الأحوال اتخاذه ذريعة للتهاون مع الفساد أو تبرير الرشوة في المجتمع بأي صورة من الصور، فالرشوة حرام، بل إن الفتوى تضع مسؤولية مضاعفة على عاتق ولي الأمر والأجهزة الرقابية والتنفيذية لـ:

انديكس دليل أرقام تليفونات أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس الشيوخ

• الضرب بيد من حديد على أيدي العابثين والمفسدين والمرتشين وعلى كل من يستغل وظيفته للإضرار بالناس أو ابتزازهم.
• إغاثة كل مَن يطلب الغوث من المواطنين وتسهيل قضاء حوائجهم لمنع استغلالهم.
• شحذ الهمم لملاحقة المرتشين الذين يقفون عائقًا أمام الحقوق وأمام العدالة وسيادة القانون.
وفي ختام الخطبة، طرح فضيلته رؤية متكاملة لعلاج هذه الآفة الخطيرة، مؤكدًا أن مواجهة الرشوة لا تتحقق بالعقوبات وحدها على أهميتها؛ وإنما تبدأ ببناء الضمير وترسيخ الوازع الديني، وبناء الإيمان في نفوس النشء والشباب والموطنين، واستشعار مراقبة الله تعالى في السر والعلن، وغرس قيم الأمانة والنزاهة والعفة من خلال الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، مع تفعيل مبادئ الشفافية، والرقابة، والحوكمة الرشيدة، وتحسين بيئة العمل والأجور، والتوسع في التحول الرقمي بما يقلل الاحتكاك المباشر بين مقدم الخدمة ومتلقّيها، إلى جانب نشر ثقافة الإبلاغ عن الفساد، وتوفير الحماية القانونية للمبلِّغين.
واختتم فضيلة الدكتور أحمد علي سليمان خطبته بتوجيه أربع وصايا جامعة للمسلمين في شرق الأرض وغربها.. في شمالها وجنوبها.. في عَرضها وعمقها، عدَّها السياج الحقيقي لحماية الإنسان والمجتمع من الفساد والرشوة، مؤكدًا أن بناء الضمير الحي والرقابة الذاتية هو الركيزة الأولى لصيانة المال العام وترسيخ قيم النزاهة.


• وأوضح أن الوصية الأولى (قرآنية)، داعيًا إلى التدبر والتأمل وديمومة التذكير بقول الله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) (العلق: 14)، مؤكدًا أن هذه الآية وحدها كفيلة بتقويم السلوك إذا استقرت في القلوب، إذ يستشعر الإنسان معها أن الله (تعالى) مُطَّلِع على كل أعماله وأقواله وخفايا نفسه، فلا تمتد يده إلى مالٍ ليس له، ولا يُقْدِم على رشوة أو اختلاس أو خيانة للأمانة.
وأضاف أن الناس يهابون كاميرات المراقبة في المؤسسات والطرقات وغيرها، وهذه الكاميرات قد تَتَعطَّل أو تُعطَّل أو تُمحى تسجيلاتها، أما رقابة الله (تعالى) فلا تغيب ولا تتوقف أبدا، فهو (سبحانه) يعلم السر وأخفى، وتُحصي ملائكته الكرام كل صغيرة وكبيرة، يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة: 7). ودعا إلى الوقوف طويلًا عند ختام الآية: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، مؤكدًا أن استحضار هذا المعنى يدفع المسلم إلى مراجعة نفسه قبل أخذ الرشوة أو بذلها أو التوسط فيها أو الاعتداء على المال العام، ولو كان ذلك في أيسر الأشياء، كأخذ ورقة أو قلم أو أيٍّ من أدوات العمل بغير حق.
• وأشار إلى أن الوصية الثانية تتمثل في الحياء من الله حق الحياء، مستشهدًا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله (ﷺ): (استَحيوا منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ)
قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ إنَّا لنَستحيي والحمد لله.

شاهد| أخبار الحوادث والقضايا لوزارتي الداخلية والعدل: النيابات والمحاكم على مدار الساعة

قالَ: (ليسَ ذاكَ، ولَكِنَّ الاستحياءَ منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ أن تحفَظ الرَّأسَ، وما وَعى، وتحفَظَ البَطنَ، وما حوَى، ولتَذكرِ الموتَ والبِلى، ومَن أرادَ الآخرةَ ترَكَ زينةَ الدُّنيا، فمَن فَعلَ ذلِكَ فقدَ استحيا) يعني: منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ
مبينًا أن الحياء الصادق يزكي السلوك، ويمنع صاحبه من مد يده إلى الحرام أو التفريط في الأمانة.
• وأكد أن الوصية الثالثة تدعو إلى (استشعار مرافقة الملائكة الكرام للإنسان في جميع أحواله)، فهم يسجلون كل قول وعمل بدقة وأمانة، لا يغيب عنهم شيء، ولا يمكن التحايل عليهم، مستشهدًا بقول الحق تبارك وتعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18) وأضاف أن عددًا من الباحثين في الاقتصاد والإدارة انتهوا إلى أن ترسيخ معاني الرقابة الإلهية في النفوس، وتحويلها من معرفة نظرية إلى سلوك عملي، يُعد من أنجح وسائل حماية المال العام ومكافحة الفساد والرشوة وغيرها؛ إذ كيف يجرؤ من يستيقن أن الله يراه، على الرشوة أو الاختلاس أو التزوير أو الاعتداء على حقوق الناس؟! ولذلك ختم هذا المعنى وختم الصورة الكريمة بقوله تعالى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) (ق: 45) مؤكدًا أن القرآن الكريم والسنة النبوية يقدمان العلاج الأصيل النافع الناجع الناجح لإصلاح الإنسان والحياة.


• وبيَّن أن الوصية الرابعة تتمثل في (الحذر من البدايات الصغيرة للفساد)؛ فالرشوة لا تبدأ دائمًا بحقيبة ممتلئة بالأموال، وإنما قد تبدأ بكلمة مدح تُشترى بها الذمم، أو هدية صغيرة لجس النبض، أو مجاملة على حساب الحق. وحذر من أن التهاون بهذه المقدمات يفتح أبواب الفساد، فإذا بيع الضمير رخص العدل، وضاعت الحقوق، وفسدت الذمم ثم الأمم، مؤكدًا أن حماية الأوطان تبدأ بحماية الضمائر، وأن النزاهة مسؤولية كل فرد قبل أن تكون مسؤولية القوانين والرقابة.
وأنهى خطبته بالدعاء إلى الله (عز وجل) أن يطهر القلوب من النفاق، والأعمال من الرياء، والألسنة من الكذب، والأيدي والأموال من الحرام والرشوة والسحت، وأن يغني الجميع بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمن سواه.
وأن يحفظ مصر وجيشها وأمنها وحدودها وشعبها وسائر بلاد المسلمين والمحبين من الفساد والمفسدين، وأن يشفي المرضى، ويفرج كرب المكروبين، ويقضي الدين عن المدينين، ويرحم الموتى، ويرحم من شُيِّد المسجد باسمه، وأن يبارك فيمن شيَّده من والديه وإخوته، ويحفظ الأوطان ويجعلها آمنة مستقرة؛ وسط تأمين وخشوع شمل جموع المصلين، قبل أن يختم بالصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبالله تعالى التوفيق
/////
روجع على بركة الله

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24