ما بين سوء التدبير وحُسنه… نعيمٌ وجحيم

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ليس كل من ضاقت به الدنيا كان فقيرًا بالأمس، وليس كل من عاش في سعة اليوم وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب. فالحياة لا تُدار بالأمنيات، وإنما تُبنى بالقرارات، وتُصنع بالتدبير، وتُحفظ بطاعة الله وحسن التقدير.

وفي رحلتي مع الناس، سمعت قصصًا كثيرة، ورأيت بعيني مشاهد لا تُحصى. رأيت رجالًا كانوا يملكون المال، ثم أصبحوا يطرقون أبواب الديون. ورأيت آخرين بدأوا حياتهم برواتب متواضعة، ثم فتح الله عليهم أبواب الخير حتى صاروا في سعة وطمأنينة.

فما الذي صنع هذا الفرق؟

في كثير من الأحيان، كان الجواب كلمة واحدة: التدبير.

إن سوء التدبير لا يأتي فجأة، بل يبدأ بخطوة صغيرة، ثم يتبعها قرار خاطئ، ثم عادة سيئة، ثم إهمال، حتى يجد الإنسان نفسه بعد سنوات محاصرًا بالديون، مثقلًا بالهموم، لا يدري كيف وصل إلى هذا الطريق.

ومن أعظم أسباب سوء التدبير أن ينسى الإنسان أن الرزق بيد الله، وأن البركة لا تنزل على حياة امتلأت بالإسراف، وأُهملت فيها الطاعات، وغابت عنها المراقبة لله. فكم من مال قليل باركه الله حتى كفى أهله، وكم من مال كثير نُزعت منه البركة فلم يغنِ صاحبه شيئًا.

ثم تأتي القرارات المصيرية التي لا تُبنى على الحكمة، بل على العاطفة المجردة. ومن ذلك أن يقدم بعض الشباب على الزواج رغم اعتراض والديه ونصح أهله، لا لأنهم يرفضون الخير، بل لأنهم يرون ما لا يراه بعين العاطفة. وقد يصر الإنسان على اختياره، ثم إذا اشتدت الخلافات، وانقطعت الأسباب، وجد نفسه بعيدًا عن أهله، وقد خسر سندًا كان يمكن أن يكون عونًا له في الشدائد.

وليس المقصود أن كل زواج من خارج البيئة أو البلد زواج فاشل، فكم من زيجات ناجحة مباركة، ولكن المقصود أن القرارات الكبيرة تحتاج إلى حكمة، واستخارة، ومشاورة، ونظر في العواقب، لا إلى اندفاع مؤقت قد يدفع الإنسان ثمنه سنوات طويلة.

ومن صور سوء التدبير أيضًا أن يجعل الإنسان مظهره أكبر من دخله، فيستدين ليشتري ما لا يحتاج، ويقترض ليجاري غيره، ويعيش حياةً ليست حياته، حتى يصبح أسيرًا للأقساط والالتزامات، بينما كان يستطيع أن يعيش كريمًا بما آتاه الله.

ولقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ما عال من اقتصد.” وهي كلمة عظيمة تختصر فلسفة الحياة كلها؛ فالاقتصاد في النفقة، والاعتدال في الرغبات، وحسن ترتيب الأولويات، أبواب واسعة للطمأنينة.

أما حسن التدبير، فهو نعمة من الله، ثم مهارة يكتسبها الإنسان. يبدأ منذ أول راتب، بل منذ أول قرار في الحياة.

حسن التدبير أن تنفق أقل مما تكسب.

وحسن التدبير أن تجعل جزءًا من دخلك للادخار قبل الكماليات.

وحسن التدبير أن تبتعد عن الديون إلا لضرورة حقيقية.

وحسن التدبير أن تستشير أصحاب الخبرة قبل القرارات الكبرى.

وحسن التدبير أن تحافظ على صلة والديك وأهلك، فهم بعد الله حصنك عند الشدائد.

وحسن التدبير أن تربي أبناءك على القناعة، لا على الإسراف.

وحسن التدبير أن تجعل علاقتك بالله أصل كل قرار، فتستخيره، وتتقيه، وتعلم أن البركة قد تكون أعظم من كثرة المال.

لقد رأيت في هذه الحياة من كان راتبه محدودًا، لكنه عاش مطمئن القلب، واسع الصدر، كريم النفس، لأنه عرف كيف يدير حياته. ورأيت من تضاعفت مداخيله، ومع ذلك لم يذق طعم الراحة، لأن سوء التدبير كان يسبق كل زيادة في رزقه.

إن النعيم ليس في كثرة المال، وإنما في بركته. وليس الجحيم دائمًا نارًا تُرى، بل قد يكون دينًا لا ينقضي، أو همًا لا يفارق صاحبه، أو أسرةً تمزقت بسبب قرار متعجل، أو قلبًا فقد سكينته حين ابتعد عن ربه وعن أهله.

ولعل من أعظم صور حسن التدبير ما يغفل عنه كثير من الناس، وهو التدبير مع الله قبل التدبير مع المال. فما قيمة الحسابات الدقيقة إذا نُزعت البركة من الرزق؟ وما نفع كثرة الدخل إذا خلا من الطمأنينة؟

إن الزكاة ليست نقصًا في المال، بل هي طُهرٌ له، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]. وهي سبب لنماء المال وبركته بإذن الله. أما الصدقة، ولا سيما الصدقة الخفية التي لا يبتغي بها صاحبها إلا وجه الله، فهي من أعظم أبواب البركة، وتفريج الكرب، ودفع البلاء، وفتح أبواب الرزق. وقد قال النبي ﷺ: «ما نقصت صدقةٌ من مال». فكم من مالٍ قليلٍ باركه الله بسبب صدقة خفية، وكم من همٍّ كشفه الله عن صاحبه بإحسان لم يعلم به إلا الله.

وحسن التدبير لا يقتصر على إدارة المال وحده، بل يشمل إدارة الوقت حتى لا تضيع الأعمار، وإدارة الأسرة بالحكمة والمودة، وإدارة العمل بالإخلاص والإتقان، وإدارة العلاقات باختيار الصحبة الصالحة وحفظ الحقوق، وإدارة النفس بكبح الشهوات ومجاهدة الهوى. فمن أحسن إدارة هذه الجوانب جميعًا، عاش حياةً أكثر توازنًا واستقرارًا، ونال بإذن الله خير الدنيا والآخرة.

فليكن شعارنا منذ اليوم: دبّر أمرك قبل أن تدبّرك الأيام. واجعل من طاعة الله، وبر الوالدين، وحسن إدارة المال، والتأني في القرارات، أركانًا تبني بها حياتك؛ فبين سوء التدبير وحُسنه… نعيمٌ وجحيمٌ.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24