مبارك الفاضل وأمن المياه…

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

في القضايا الوطنية، لا تكمن قيمة الفكرة في صاحبها، وإنما في قدرتها على الصمود أمام الأحداث، حين تتحول من رأي إلى سؤال يفرض نفسه على الدولة والمجتمع. وهذا ما حدث مع ملف الأمن المائي في بلادنا، الذي تجاوز حدود النقاش الفني ليصبح قضية سياسية واستراتيجية بامتياز، بعد أن أعاد عدد من القيادات السياسية تسليط الضوء عليه استنادًا إلى ما كشفه مقال “سد النهضة… أم غفلة السودان؟”.

ولعل أبرز هذه المواقف ما طرحه مبارك الفاضل المهدي، رئيس حزب الأمة “الإصلاح والتجديد”، وأحد القيادات السياسية السودانية ذات التأثير، الذي شغل عددًا من المناصب التنفيذية، من بينها منصب مساعد رئيس الجمهورية وحقائب وزارية سابقة. ونُقدّر اهتمامه وإسهامه في توسيع النقاش حول قضية الأمن المائي، بما يعكس أهمية انتقال هذا الملف من الدوائر الفنية المتخصصة إلى دائرة الاهتمام السياسي والوطني.

فقد انطلق المقال من معطيات فنية وإفادات الخبير المائي البروفيسور سيف الدين حمد، ولم يكن مرافعةً لأي موقف سياسي، وإنما محاولة لقراءة الأزمة من زاوية إدارة الموارد والمؤسسات.وما يعنينا في “وجه الحقيقة” هو أن يبقى ملف المياه بعيدًا عن الاستقطاب، وأن يُناقش باعتباره قضية أمن قومي تتجاوز المواقف السياسية، لأن الهدف كان ولا يزال إعادة توجيه النقاش من البحث عن من المسؤول إلى البحث عن الحل.

أعاد الفاضل قراءة أزمة انحسار مياه النيل من زاوية مختلفة، موضحًا أن اختزالها في سد النهضة وحده لا يمثل سوى نصف الحقيقة. وأشار، استنادًا إلى المعطيات الفنية الواردة في المقال وإفادات الخبير المائي البروفيسور سيف الدين حمد، إلى أن تصريفات المياه الخارجة من سد النهضة بين يناير ويونيو 2026 كانت أعلى من احتياجات السودان الفعلية، بما كان يتيح فنيًا تخزين كميات مناسبة في سد الرصيرص لتأمين احتياجات الري والتوليد الكهربائي خلال فترة بدء التخزين في يوليو.

وتكتسب إشارة مبارك الفاضل أهمية خاصة، ليس لأنها جاءت من شخصية سياسية ذات حضور، وإنما لأنها أعادت توجيه النقاش من البحث عن طرف خارجي لتحميله المسؤولية، إلى السؤال الأكثر عمقًا: إذا كانت المياه موجودة، فلماذا لم تُدار بما يحقق الأمن المائي في اللحظة الحرجة؟

وهذا هو جوهر القضية، فالمقال لم يكن انحيازًا لطرف، بل بحثًا في أصل الأزمة: هل المشكلة في نقص الموارد أم في ضعف القدرة المؤسسة على إدارتها؟ فقد كشفت أزمة انحسار النيل أن التحدي لا يرتبط بسد النهضة فقط، بل بغياب المؤسسة القادرة على إدارة الملف، بما في ذلك تعطّل اللجان الفنية المشتركة مع الجانب الإثيوبي المعنية بالتنسيق وتبادل المعلومات وفق ترتيبات أكتوبر 2022. فالمياه اليوم قضية أمن قومي تتصل بالسيادة والغذاء والطاقة، واستعادة الإدارة المختصة ليست تعديلًا وزارياً ، بل استعادة لقدرة الدولة على حماية مصالحها الاستراتيجية.

صحيح أن الفاضل ربط هذا القصور بظروف الحرب، ودعا إلى وقفها باعتبارها أحد أسباب تراجع الأداء الحكومي، وهذا موقف سياسي يعبر عنه، لكن الدرس الأهم أن إدارة المياه لا يمكن أن تكون رهينة للأزمات، فالأمن المائي يحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل في جميع الظروف والتحديات.

ولم يكن مبارك الفاضل، وحده من لفت الانتباه إلى هذه الحقيقة، فقد دعا أيضًا مبارك أردول، رئيس التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية، في تغريدة، إلى مراجعة قرار إلغاء وزارة الري ودمجها ضمن وزارة الزراعة، مؤكدًا أن تعقيدات ملف المياه في السودان، وفي مقدمتها قضايا حوض النيل وسد النهضة، تجعل وجود وزارة متخصصة ضرورة وطنية لا ترفًا إداريًا.

ورغم اختلاف الرجلين في مواقعهما السياسية ورؤاهما تجاه العديد من القضايا، فإن اتفاقهما حول ضرورة مراجعة البنية المؤسسية لإدارة المياه يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة النقاش، فالقضية لم تعد مطلبًا يطرحه الخبراء، بل أصبحت محل إدراك لدى فاعلين سياسيين يعلمون أن حماية مصالح السودان تبدأ من بناء مؤسسات قادرة على إدارة موارده الاستراتيجية.

لقد ظلت “وجه الحقيقة” تنبه في أكثر من مناسبة إلى أن إلغاء وزارة الموارد المائية لم يكن قرارًا إداريًا بسيطًا، بل خطوة غير محسوبة ذات آثار استراتيجية تمس تشغيل السدود، وإدارة الخزانات، والتنسيق الفني، والدبلوماسية المائية، ومتابعة تطورات سد النهضة واتفاقيات حوض النيل.

وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن الأهم من هذا النقاش ألا يتحول ملف المياه إلى ساحة للاستقطاب السياسي، بل إلى فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر قدرة على مواجهة المستقبل. ولعل هذا الاهتمام المتزايد من مختلف الفاعلين السياسيين يمثل بداية وعي جديد بأن قضايا الأمن القومي لا تُدار بالتجزئة، وأن حماية مصالح السودان تحتاج إلى استراتيجية وطنية تشمل المياه والغذاء والطاقة والاقتصاد. إن إعادة وزارة الموارد المائية والري كوزارة مستقلة ليست مجرد مراجعة إدارية، بل خطوة لاستعادة قدرة الدولة على إدارة مواردها السيادية. فالأوطان القوية لا تنتظر الأزمات لتبني مؤسساتها، بل تستبقها برؤية تحمي مستقبلها .
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 27 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24