وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
ليست كلُّ العواصم التي تصنع التاريخ تنجو من كلفته. فبعض المدن تدفع ثمن مواقفها، وبعض الدول تتحمل تبعات الأدوار التي لعبتها. والخرطوم واحدةٌ من تلك العواصم التي دخلت ذاكرة السياسة العربية من أوسع أبوابها، حين احتضنت عام 1967 قمةَ جامعة الدول العربية، التي شكّلت واحدةً من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخ العالمين العربي والإسلامي، ولم يأتِ بعدها.
قمة الخرطوم واحدةٌ من تلك المحطات التي تجاوزت حدود الزمان والمكان. كانت لحظةً أعادت فيها الخرطوم تعريف دورها الإقليمي بعد نكسة يونيو 1967، ووضعت السودان في قلب معادلات المنطقة، من خلال ما خرجت به من “لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض” قبل استعادة الحقوق. وكانت تلك اللاءات تعبيرًا عن موقفٍ سياسي وازن في مواجهة واقع الخذلان، حمل رسالةً مفادها أن الإرادة يمكن أن تواجه لحظات الانكسار، وأن الدول لا تُقاس بعسكرها فقط، بل بقدرتها على إنتاج موقفٍ تاريخي يحفظ مكانتها.
في ذلك اليوم، لم تكن الخرطوم مجرد عاصمة استضافت قمة، بل كانت عاصمة قرار عربي. جمعت الفرقاء، واحتضنت المصالحة بين الخصوم، وقدمت نموذجًا نادرًا في تاريخ الأنظمة العربية عندما استطاعت المصالح العليا أن تتقدم على الخلافات. ولهذا ارتبط اسم السودان بتلك اللحظة بوصفه بلدًا قادرًا على لعب أدوار تتجاوز حدوده الجغرافية.
لكن التاريخ يحمل دائمًا وجهين، فالمكانة التي تمنح الدول وزنًا سياسيًا قد تجعلها أيضًا موضع اهتمام و أطماع. فالسودان ليس بلدًا عاديًا في الحسابات الاستراتيجية للمنطقة من خلال موقعه في قلب العالم العربي والقارة الإفريقية، و البحر الأحمر، و موارده الزراعية والمائية والمعدنية، وثروة حيوانية، وأراضي توفر الأمن الغذائي للمنطقة.
هذه المقومات جعلت بلادنا دولة ذات أهمية تتجاوز حدودها، فالدول التي تمتلك الموقع والثروة والقدرة على التأثير تصبح دائمًا جزءًا من حسابات القوى الكبرى. ومن هنا يرى بعض المحللين أن السودان ظل عبر عقود مسرحًا لتنافس المصالح، وأن إضعاف الدولة السودانية ظل متعمدا.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة حرب 15 أبريل 2023 باعتبارها أكثر من مجرد تمردٍ عسكري. إنها لحظةٌ كان فيها السودان يحاول إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات من الاضطراب، ليتحول إلى ساحةٍ للصراع والأطماع حول مستقبله. فقد استهدفت الحرب المدن والاقتصاد والبنية الاجتماعية، ودفعت الملايين إلى النزوح، وأدخلت السودان في واحدةٍ من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
ويرى كثير من السودانيين أن بلادهم تدفع اليوم ثمنًا مؤجلًا لموقعها ومواقفها التاريخية، فالسودان الذي احتضن العرب في لحظة فارقة عام 1967، وجد نفسه خلال أزمته الراهنة أمام شعور مخزي، بأن التضامن العربي لم يكن بالمستوى الذي يتناسب مع حجم المأساة. فالقضية لم تكن فقط في حجم المساعدات، بل في غياب موقف سياسي وشعبي يعكس خطورة ما يتعرض له بلد عربي ظل حاضرًا في قضايا المنطقة لعقود.
وقد تعمق هذا الشعور مع استمرار الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين، خاصة عقب الأحداث الدامية في الجنينة و الفاشر، وود النورة والهلالية وما صاحبها من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وبينما شهدت بعض العواصم الغربية تحركات وإدانات واسعة، شعر السودانيون بأن الصوت العربي الرسمي والشعبي لم يكن حاضرًا بالقدر الذي يتوقعونه خلاء البعض بالنظر إلى عمق العلاقة الإنسانية والتاريخية.
وفي قلب هذه الأزمة، برز الخلاف السوداني الإماراتي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، بعد الاتهامات التي وجهتها الخرطوم إلى أبوظبي بدعم مليشيا الدعم السريع والمساهمة في استمرار الحرب. وقد بلغ التصعيد مستوىً غير مسبوق عقب قرارات الحكومة السودانية، عبر مجلس الأمن والدفاع، باعتبار الإمارات دولةَ عدوان، وسحب السفير السوداني منها. ويكشف هذا المسار أن الحرب في السودان لم تعد مجرد أزمة داخلية، بل أصبحت جزءًا من صراعٍ إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح والنفوذ.
ومع ذلك فإن الدرس الأهم الذي يجب أن يستخلصه السودان من تاريخه هو أن حماية الدول لا تكون فقط بمواجهة خصومها، بل ببناء قوتها الداخلية. فالدولة التي لا تمتلك مؤسسات قوية تصبح مكشوفة أمام الضغوط والأطماع ومحاولات هندسة ارادتها، مهما كانت ثرواتها وموقعها.
فالخرطوم لا تدفع ثمن اللاءات لأنها قالتها، بل لأنها كانت يومًا عاصمة قادرة على صناعة الموقف والقرارات الصعبة. واليوم فإن التحدي الحقيقي أمام السودانيين ليس فقط إنهاء الحرب، بل استعادة الدولة التي تجعل من موقع السودان قوة، ومن موارده نهضة، ومن تاريخه مستقبلًا للأجيال .
ليست فاتورة اللاءات الثلاث قدرًا أبديًا، بل درسًا مستفادًا، مفاده أن السودان لا يحميه إلا تماسك دولته وسيادة قراره الوطني. وبعد ستة وخمسين عامًا على قمة الخرطوم، يبقى السؤال: هل دفع السودان ثمن موقعه الجيوسياسي وثرواته فحسب، أم أيضًا ثمن مواقفه التاريخية حين صمتت الإرادة العربية في أكثر لحظاتها حساسية؟ قد لا توجد إجابة حاسمة، لكن الثابت أن البلاد ظلت هدفًا لضغوط واستنزاف متواصل، بلغ ذروته في حرب 15 أبريل 2023، التي استهدفت الدولة ومؤسساتها، وأغرقت ملايين السودانيين في واحدة من أكبر موجات النزوح واللجوء في العصر الحديث.
وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن حرب السودان كشفت حقيقة قاسية، لا حليف دائمًا في زمن المصالح، ولا منقذ يأتي من الخارج حين تتقدم الأطماع على المبادئ. كما أنها تضع على عاتق الدول العربية، ومعها الشعوب التي وقفت متفرجة على واحدة من أكبر مآسي المنطقة، مسؤولية أخلاقية وتاريخية لا يمكن تجاهلها. وفي المقابل، على القوى السياسية السودانية أن تدرك أن الرهان على الخارج لم يعد يصنع وطنًا ولا يحسم معركة، وأن حماية السودان تبدأ بوحدة إرادته وبناء دولة قوية تمتلك قرارها الوطني، لأن الأمم التي تعجز عن حماية نفسها لن يحميها الآخرون.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 20 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com











