مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس عمارة

د .مظهر محمد صالح

للأقدار طرائقها الغامضة في صناعة الذاكرة. فهي لا تعلن عن نفسها في اللحظات الكبرى وحدها، بل تختبئ أحيانًا في لقاء عابر، أو في كتاب منسي على رف، أو في سؤال يطرحه غريب أضاع طريقه في مدينة لا يعرفها. وحين تمضي السنون، نكتشف أن تلك اللحظات الصغيرة كانت أكثر بقاءً من أحداث ظننا يومًا أنها ستغيّر العالم.
كان ذلك في مساء ربيعي من أوائل سبعينيات القرن الماضي. كانت بغداد، يومئذ، ما تزال تحتفظ بإيقاعها الهادئ ، أحياء تغفو على ظلال النخيل، وأزقة تفيض بسكينة لا يقطعها إلا حفيف السعف وهو يلاعب الريح. وبينما كنت أسير في أحد تلك الأخاديد السكنية، استوقفني رجل تبدو عليه أمارات التعب والحيرة. كان يبحث عن منزل شاعرة عراقية.
سألته عن مقصده، فقال:

«إنني أبحث عن بيت لميعة عباس عمارة.»

قلت له: «لقد اقتربت من غايتك، وسيسرني أن أرافقك.»

وفي الطريق، عرّفني بنفسه:

«أنا محمد عيتاني… كاتب من لبنان.»

ولم يكن الاسم غريبًا عن ذاكرتي، فسألته على الفور:

«أأنت مترجم كتاب “رأس المال” لكارل ماركس؟»

ابتسم ابتسامة العارف الذي لا يحرص على تقديم نفسه، وقال بهدوء:

«نعم.»

ومنذ تلك اللحظة، لم نعد نسير في أحد شوارع بغداد، بل في طرق الفكر والثقافة، حيث كانت الكتب هي الخرائط الحقيقية للناس.

حدثته عن ماركس، لا بوصفه صاحب نظرية اقتصادية، بل بوصفه إنسانًا دفع ثمن أفكاره من حياته الخاصة. ذكرت له كيف اضطر إلى رهن معاطفه، وكيف عاش برد لندن وفقْرها، وكيف فقد عددًا من أبنائه وهو يطارد حلمًا فكريًا ظن أنه سيكون أكثر رحمة بالبشر من واقعهم.

قال عيتاني، في تواضع العالم، إن ترجمته العربية لـ«رأس المال» لم تكن كاملة، وإن الطبعة الصادرة عن دار التقدم في موسكو جاءت أكثر إحكامًا.

وأحسب أن هذه الجملة القصيرة كانت درسًا في المعرفة ، فالعلم لا يبدأ بادعاء الكمال، بل بالاعتراف بأن كل عمل إنساني قابل للمراجعة والإضافة.
ولعل المفارقة التي لا يلتفت إليها كثيرون أن ماركس كان يحلم، في شبابه، بأن يكون شاعرًا قبل أن يصبح فيلسوفًا للاقتصاد. كتب الشعر، وألّف المسرحية والرواية، ثم قادته جدلية هيغل إلى عالم آخر. لكنني كثيرًا ما شعرت أن الرجل لم يغادر الشعر تمامًا ،فقد استبدل القصيدة بقراءة التاريخ، واستبدل صور البلاغة بصور المجتمع، وظل يبحث، في الحالتين، عن الإنسان.
وحين ذكر محمد عيتاني طبعة دار التقدم، قفزت إلى ذاكرتي صورة قديمة استعادت ذاكرتي صورةً قديمةً ما برحت تُلازمني .
بعد أحداث انقلاب الثامن من شباط عام 1963، وبينما كانت الفوضى تعصف بوزارة الدفاع، دخل بعض الضباط إلى مكتب الزعيم عبد الكريم قاسم، وأخذوا يقلبون ما بقي فيه من مقتنيات. وكان بين الكتب نسخة عربية كاملة من كتاب «رأس المال»، صادرة عن دار التقدم في موسكو. وبعد سنوات طويلة، أطلعني نجل أحد أولئك الضباط على تلك النسخة وهو يروي تفاصيل الواقعة.

ولم أسأل نفسي يومها: هل كان عبد الكريم قاسم ماركسيًا؟

كان السؤال، في تقديري، أقل شأنًا من سؤال آخر: لماذا يقرأ رجل الدولة كتابًا يخالفه بعض معاصريه ويخاصمه آخرون؟
إن القارئ الحقيقي لا يبحث في الكتب عن شهادة انتماء، بل عن اتساع في الرؤية. والكتاب العظيم لا يختار قرّاءه على أساس العقيدة أو الحزب، وإنما على أساس فضيلة الفضول المعرفي. فالمكتبة ليست بيانًا سياسيًا، بل سيرة عقل.
وربما لهذا السبب بقيت تلك النسخة من «رأس المال» في ذاكرتي أكثر مما بقيت صور كثيرة من أحداث ذلك الزمن ، لأن الكتب لا تشارك في الانقلابات، لكنها تبقى شاهدة عليها.
وصلنا إلى منزل لميعة عباس عمارة، فاستقبلت ضيفها اللبناني بكرم بغداد المعروف. وجلست معهما دقائق معدودة، لكنها بدت لي وكأنها اختصرت سنوات من الحوار بين العراق ولبنان، وبين الشعر والرواية، وبين الكلمة التي تُكتب والكلمة التي تُعاش.
كانت لميعة تؤمن بأن القصيدة لا تُكتب بالحبر وحده، بل تُكتب أيضًا بالوفاء. ولهذا ظل العراق حاضرًا في شعرها، كما ظل لبنان حاضرًا في قلبها، حتى قالت، يوم منحها وسام الأرز:

«على أي صدر أحط الوسام… ولبنان جرح بقلبي ينام.»

وفي المقابل، كان محمد عيتاني يحمل لبنان في رواياته كما يحمل الإنسان جرحه القديم ،لا ينساه، ولا يسمح له أن يتحول إلى كراهية.
ولعل أكثر ما بقي في نفسي من ذلك اللقاء أن الثقافة العربية، في أجمل صورها، لم تكن تعرف الحدود. كان كتاب ألّفه فيلسوف ألماني، وترجمه لبناني، وقرأه عراقي، موضوعًا في مكتبة قائد عسكري، بينما كان مترجمه يسير في أحد أحياء بغداد بحثًا عن شاعرة عراقية.

أي مصادفة هذه؟

أهي مصادفة حقًا، أم أن المعرفة تمتلك منطقًا خفيًا يجعلها تصل دائمًا إلى من يبحث عنها؟
لقد علمتني تلك الأمسية أن السياسة تصنع الوقائع، أما الثقافة فتصنع المعاني. والوقائع، مهما عظمت، يطويها الزمن، أما المعاني فتبقى تنتقل من جيل إلى آخر، لأنها تسكن الكتب والقصائد والضمائر.
واليوم، كلما استعدت تلك الوجوه، أدرك أن ما يبقى من الأمم ليس ضجيج السلطة، ولا صخب الصراعات، بل تلك اللحظات الهادئة التي يلتقي فيها كتاب بمكتبة، وشاعر بصديق، وفكرة بإنسان مستعد لأن يصغي إليها.
وهكذا ظل عبد الكريم قاسم، في ذاكرتي، مرتبطًا بكتابٍ أكثر من ارتباطه بمكتب، وظل محمد عيتاني مرتبطًا بترجمة أكثر من ارتباطه بسيرة، وظلت لميعة عباس عمارة مرتبطة بقصيدة أكبر من حدود المكان.
أما بغداد، فقد بقيت المدينة التي كانت قادرة، في مساء واحد، أن تجمع بين ماركس، وعبد الكريم قاسم، ومحمد عيتاني، ولميعة عباس عمارة، دون أن يشعر أحد أن ذلك اللقاء كان استثنائيً
وهذه، في ظني، هي أعظم فضائل المدن التي تؤمن بالثقافة ،أنها لا تجمع الناس في المكان فحسب، بل تجمع الأفكار في الزمن، فتجعل من المصادفة تاريخًا، ومن الذكرى أدبًا، ومن الكتاب حياةً أخرى لا تنتهي.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24