أ.د.طارق السامرائي _ بريطانيا
لكي نعرج علي المنعطف النوعي الذي أطلقته رئاسة وزراء العراق في معركة مباشرة وصولة لاستعادة هيبة الدولة من قبضة الفساد ومروجيه وأسواقه لابد من وضع (شذرات استراتيجية )لهذا السيناريو
فمنذ عام الاحتلال الغاصب 2003 لم يكن الفساد في العراق مجرد انحراف اداري او مالي او اخلاقي فحسب بل تحول مع مواكبة استشراؤه الي (منظومة متكاملة)اعادت تشكيل العلاقة بين ثلاثي (السياسة والاقتصاد والسلطة )ومع مرور الوقت باتت شيكات المصالح توظف نفوذها لتكون قادرة علي امتلاك القرار السياسي )وادارة دفة الحكم واستغلال موارده بل وفرض معادلاتها علي مؤسسات الدولة نفسها .لهذا بادرت الدولة الي تاسيس (حملة أطلقت عليها الدولة صولة الفجر ).
ولاجل تحليل الموقف لا يمكن قراءتها بوصفها (اسلوب أمني احتراسي عابر او مجرد عقدة من مفصل القاء القبض علي بعض من مسؤولي ورجالات متهمين بالفساد )بل تمثل اختبار تاريخي في قدرة الدولة والاستيقاظ الي صحوة لاستعادة دورها القانوني ورسم حدود العلاقة بين (القانون والنفوذ ).
ظاهرة الفساد تتحول الي مشروع في نظام الحكم
في الواقع تواجه الدول نوعين من الفساد :-
١- النوع الاول هو فساد اشخاص ويتم القضاء عليه بالمحاسبة القانونية والقضائية.
٢- النوع الثاني وهو الأخطر يكون علي صورة تحول الفساد الي (بنية مؤسسية )تتداخل فيها المصالح الشخصية والسياسية والاقتصادية والإدارية لكي تصبح جزءان آليات انتاج السلطة نفسها .
وخلال اكثر من عقدين ماضيين بات العراق في حضن هذا النموذج وبات الفساد حاضنة ادارية وسياسية واقتصادية لمؤسسات الدولة ،حيث تحولت (العقود الحكومية
المشاريع الاستثمارية
المنافذ الحدودية
الجباية والضرائب
تداول الطاقة ومشتقاتها
النفط ومشتقاته
الوظائف والتعيينات والمناصب
البرلمان والوزارات والامن والعمل الدبلوماسي .
ساحات تتقاطع فيها المصالح السياسية مع الاقتصادية بعمق معقد والمؤلم انها جميعا تمارس تحت غطاء ديني عقائدي مستورد .
ما هي أوجه التباين في (صولة الفجر عن سابقاتها؟
لان جميع السيناريوهات السابقة والتي حملت عناوين (القضاء علي الفساد ) فشلة وتم تزويرها وتجيير اهدافها بسبب 3 معطلات :-
١- النفوذ السياسي الموجه من ايران
٢- مدي جدية الحصانات القانونية
٣- عدم التنفيذ .
وما يطمح به العراقيون في هذه الحملة ضد الفاسدين المسعورين ان تكون لها (رسالة جدية ومؤمنة بحق الشعب العراقي )
الحملة بدأت ونفذت باطار (المفاجأة الغير محسوبة من طاقم الفاسدين والذي أكسبها بعدا إعلاميا عابر للتقليدية .وهو ما ميزها عن أخواتها السابقات التي فحواها الكذب والسحت والخداع .
الرسالة الحالية يراد بها ما يلي :-
١- اختبار قدرات الدولة بقيادة الزيدي وفي الوصول إلي الحيتان لا فقط للمفسدين من صغار القوم !
٢- يفترض ولكسب ثقة الشعب أن تكون الحملة ضد منظومة الفساد لا ضد ظاهرة الفساد فقط .
٣- هل تستطيع ادارة الزيدي تفكيك منظومة الفسادالتي تنتجوتفرخ الفساد وتقبرها الي ألابد ؟.
ومن مضامين هذه الرسالة ونجاحها لابد من توافر الاسس التالية :-
١- الثقة وتحمل المسؤولية الوطنية والاخلاقية في انجاز المهمة !
٢- مسؤولية قيادية مؤمنة بخط العمل الوطني
٣- خلف الاجراء دعم داخلي وخارجي في مقدمته الولايات المتحدة الامريكية لتنظيم العمل وتمويله ونجاحه
٤- توفير غطاء أمني وعسكري لنجاح الحملة
٥- الانتباه للجهات التي تحاول تعطيل الحملة واجراءاتها القضائية والقانونية وفي المقدمة ايران وذيولها في الميلشيات والحشد الشعبي .
ان نجاح الحملة علي المسعورين الفسدة لا تقاس بعدد المداهمات ولا بعدد المعتقلين ،وانما بقدرتها علي تفكيك شيكات الفساد واعادة (هيبة الدولة وشعبها علي اسس سيادة القانون والشفافية).
ومن اهمية مثل هذه الحملات ان تكون لها رسائل متنوعة الاتجاهات ولا تخاطب فقط الداخل العراقي بل مراكز تمويل شبكات الفساد وايران بالتحديد !
اول الغيث قطرة لكي تكون الحملة جزء من العودة الي ديمقراطية سياسة نظام الحكم في العراق وتنويه الي الطبقة السياسية راكبة موجة الفساد بانها مجردة من النفوذ السياسي كحصانة دائمة لها !
وكذلك رسالة الي الجار ودول الإقليم والعالم بان (العراق يسعى الي بناء بيئة اكثر شمولية وطنية واستقرار وشفافية ومصداقية في استثمار مارده لخدمة مسيرته وباء مجتمع صحيح .
من هذا المنطلق فقط تستطيع قيادة الحكم العراقي ان تعزز الثقة الشعبية لها !
أما إذا بقيت في اطار حملات وهمية موسمية هدفها التمويه وكسب الوقت فان آثارها ستتراجع سريعاً وستكون ضحية ثقة الشعب وجماهير الوطن وأحزابه ومنظماته .
فالدولة التي تريد اطالة عمر حكمها عليها ان تؤمن بارادة الشعب وتبني اقتصاد وطني وتضرب بيد من حديد الفساد وأقطابه وتبني قاعدة وطنية لعراق مستقبل !
القضاء علي الفساد وبؤره ومصادره ومموليه خارجيا وداخليا اقليميا ودوليا هو في الصدارة لانه (لا يسرق الاموال فقط بل يرفع تكلفة المشاريع ويغني الخونة ويفقر المناضلين والوطنيين ويقتل العمل التنموي والمؤسسي !
ومن هنا فان مكافحة الفساد وقواعده وداعميه ليست قضية اخلاقية او سياسية فحسب بل هي نهج تدميري مقصود للمجتمع العراقي العربي !
واقول :-
(القضاء علي الفساد هو نقطة الحسم )
ولاجل أن نضع ثقل دعمنا لهذا النوع من الحملات لكي تنجح فالمقاييس ستكون بما يلي :-
١- استكمال كل الاجراءات القانونية والقضائية بلا رأفة لم افسد وسرق ودمر وخان .
٢- نشر المحاكمات علي الشعب لتوضيح مدي تناسب العمل الفاسد مع الخيانة للوطن والشعب
٣- اصدار الأحكام لمن تثبت عليه الإدانة بلا شفقة وحسب القانون .
٤- استرداد الاموال المسروقة للدولة والشعب لانها نهب للمال العام
٥- تناول كل من يورد مشاركته بالفساد اشخاصاً ومؤسسات داخلية او خارجية !
بما ان العراق يحتل موقعا محورياً في الجيوسياسية والطاقة والتجارة والامن القومي فأن اي تقدم حقيقي في مكافحة الفساد هو مكافحة للارهاب والخيانة الوطنية !
لذلك فان المحفل الدولي يتابع مسار هذه الحملة كبداية لمشوار جديد وباهتمام بالغ ليس لمعرفة نوع الحملة وانما لجدية توجهاتها وبمقدار ما إذا كانت ستقود إلي تصحيح بعد الاعوجاج ؟ وتقود الي (إصلاح وطني مستدام ).
نحن امام لحظة وطنية فاما النجاح وبداية مرحلة جديدة في تاريخ العراق ما بعد الالام لاحتلال العراق من أمريكا الي ملالي ايران !او تكون مجرد (محطة)ضمن سلسلة طويلة من مشاريع الالتفاف الخياني !
والفارق بين( الاحتمالين ) هو ما نوت عليه ادارة الزيدي وامريكا وترسيخ مبادئ الوطنية لشعب الوطنية !
لا احد فوق القانون ولا المال العام غنيمة سياسية وبرلمانية بل ((( امانة وطنية لا يفهمها الفاسدون )).
فان نجحت قيادة الزيدي في تحويل سلوك منظومة الفساد الي سلوك يمارس دوما عند الشعور بالخيانات الوطنية ،فسنكون العراقيون قد كسبنا المعركة ووضع حجر الاساس لدولة ترنو لخدمة العراق ،أما اذا تعثرت بسبب اما امام ضغوط ايران وذيولها او في حسابات سياسية فان النظام سينظم الي سجل طويل من ملفات الخداع والعمل علي تغيير (قواعد اللعبة
الخاتمة بصدق
يبقي الدرس الاهم ان بناء الدول لا يبدأباعلان الحرب وحملات القضاء
علي الفساد كظاهرة وسلوك فقط بل بإقامة منظومة حكم سياسية وطنية تعتمد القانون والإدارة الناجحة تجعل الفساد قاعدة لايمكن التعايش معها حتي ترحل .













